تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به ، فحيث ما أتوا به ظهر الإعجاز . وثانيهما : ان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإن كان متهما عندهم في أمر النبوّة ، لكنه كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب . فلو كان كاذبا ما تحداهم بالغا في التحدي إلى النهاية ، بل كان عليه أن يخاف مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره . فلو لم يعلم بالوحي عجزهم عن المعارضة لما جاز أن يحملهم عليها بهذا التقريع . وثالثها : انه لو لم يكن قاطعا في أمره لما قطع في أنهم لا يأتون بمثله ، لأن المزوّر لا يجزم بالكلام ، فجزمه يدل على كونه جاز ما في أمره . ورابعها : انه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأنه من عهده عليه السلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام ، وتشددوا عليه في الوقيعة فيه ، ثم أنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط . فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على الإعجاز مما تشتمل عليه هذه الآية . فهذه الأخبار وأمثالها تدل على كون القرآن كلام اللّه لأن عادة اللّه جارية على أنّ مدّعي النبوّة لو أخبر عن شيء ونسب إلى اللّه كذبا لا يخرج خبره صحيحا . في الباب الثامن عشر من كتاب الاستثناء هكذا : « فإن أحببت وقلت في قلبك كيف أستطيع أن أميّز الكلام الذي لم يتكلمه الرب ، فهذه تكون لك آية ان ما قاله ذلك النبيّ باسم الرب ولم يحدث ، فهذا الرب لم يكن تكلم به ، بل ذلك النبيّ صوّره في تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه » . الأمر الرابع : « 1 » ما أخبر من أخبار القرون السالفة والأمم الهالكة . وقد علم أنه كان أميا ما قرأ ولا كتب ولا اشتغل بمدارسة مع العلماء ولا مجالسة مع الفضلاء ، بل تربّى بين قوم كانوا يعبدون الأصنام ولا يعرفون الكتاب وكانوا عارين عن العلوم العقلية أيضا ، ولم يغب عن قومه غيبة يمكن له التعلم فيها من غيرهم . والمواضع التي خالف القرآن فيها - في بيان القصص والحالات المذكورة - كتب أهل الكتاب ، كقصة صلب المسيح عليه السلام وغيرها ، فهذه المخالفة قصدية ، إما لعدم كون بعض هذه الكتب أصلية كالتوراة والإنجيل المشهورين ، وإما لعدم كونها إلهامية . ويدل على ما ذكرت قوله تعالى إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون . الأمر الخامس : ما فيه من كشف أسرار المنافقين حيث كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد . وكان اللّه يطلع رسوله على تلك الأحوال حالا فحالا ويخبره عنها على سبيل التفصيل . فما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق . وكذا ما فيه من كشف حال اليهود وضمائرهم .
هامش
( 1 ) يتابع المؤلّف تفصيل الأمور المشتمل عليها الفصل الأول من الباب الخامس ، والتي يتأيّد بها أن القرآن كلام اللّه . وقد سبق تفصيل ثلاثة أمور . . .