تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
غاية الأمر أنهم صاروا مفترقين بين مصدق به وبمن أنزل عليه وبين متحير في بديع بلاغته . روي أنه سمع الوليد بن المغيرة من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكرون . فقال : واللّه إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، ما يقول هذا بشر . وروي أيضا أنه لما سمع القرآن رق قلبه فجاءه أبو جهل - وكان ابن أخيه - منكرا عليه ، قال : واللّه ما منكم أحدا أعلم بالأشعار مني . واللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا . وروي أيضا أنه جمع قريشا عند حضور الموسم وقال : إن وفود العرب ترد العرب ، فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا . قالوا : تقول كاهن . قال : واللّه ما هو بكاهن بزمزمته ولا سجعه . قالوا : مجنون . قال : ما هو بمجنون ولا بحنقه ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر . قال : ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه . قالوا : فنقول ساحر . قال ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده . قالوا : فما تقول ؟ قال : ما أنتم بقائلين شيئا من هذا إلا وأنا أعرف أنه باطل ، وأن أقرب القول أنه ساحر . ثم قال : فإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه ، والمرء وأخيه ، والمرء وزوجه ، والمرء وعشيرته . فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس عن متابعة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فأنزل اللّه تعالى في الوليد :
( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً )
[ المدّثر : 11 ] . وروي أن عتبة كلم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به من خلاف قومه ، فتلا عليه :
( حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ )
إلى قوله :
أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ )
[ فصّلت : 1 - 13 ] فأمسك عتبة بيده على فيه وناشده الرحم أن يكف . وفي رواية : فجعل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقرأ ، وعتبة مصغ ملق بيديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة ، فسجد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقام عتبة لا يدري بما يراجعه . ويرجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه . فاعتذر لهم ، وقال : واللّه لقد كلمني بكلام ما سمعت أذناي بمثله قط ، فما دريت ما أقول له . وذكر أبو عبيدة أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ
( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ )
[ الحجر : 94 ] . فسجد ، وقال سجدت لفصاحته . وسمع رجل آخر من المشركين رجلا من المسلمين يقرأ
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا )
[ يوسف : 80 ] فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . وحكى الأصمعي أنه سمع جارية تتكلم بعبارة فصيحة وإشارة بليغة ، وهي خماسية أو سداسية ، وهي تقول أستغفر اللّه من ذنوبي كلها . فقال لها : ممّ تستغفرين ولم يجر عليك قلم ؟ فقالت :
أستغفر اللّه لذنبي كله * قتلت إنسانا بغير حله
مثل غزال ناعم في دله * انتصف الليل ولم أصله