تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
موضع من مواضع القرآن كله دليل على كمال بلاغته وفصاحته الخارجتين عن العادة . عاشرها : أنه مشتمل على جميع فنون البلاغة ، من ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل وأصناف الاستعارة ، وحسن المطالع والمقاطع وحسن الفواصل ، والتقديم والتأخير والفصل والوصل اللائق بالمقام ، وخلوه عن اللفظ الركيك والشاذ الخارج عن القياس النافر عن الاستعمال ، وغير ذلك من أنواع البلاغات . ولا يقدر أحد من البلغاء الكملاء من العرب العرباء إلّا على نوع أو نوعين من الأنواع المذكورة . ولو رام غيره في كلامه لم يتأتّ له وكان مقصرا . والقرآن محتو عليها كلها . فتلك عشرة كاملة ، وهذه الوجوه العشرة تدلّ على أن القرآن في الدرجة العالية من البلاغة الخارجة عن العادة يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم وعلماء الفرق بمهارتهم في فن البيان وإحاطتهم بأساليب الكلام ، ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن . الأمر الثاني : « 1 » تأليفه العجيب وأسلوبه الغريب في المطالع والمقاطع والفواصل ، مع اشتماله على دقائق البيان وحقائق العرفان وحسن العبارة ولطف الإشارة وسلاسة التركيب وسلامة الترتيب ، فتحيرت فيه عقول العرب العرباء وفهوم الفصحاء ، والحكمة في هذه المخالفة أن لا يبقى لمتعسف عنيد مظنة السرقة . ويمتاز هذا الكلام عن كلامهم ويظهر تفوقه ، لأن البليغ ، ناظما كان أو ناثرا ، يجتهد في هذه المواضع اجتهادا كاملا ويمدح ويعاب عليه غالبا في هذه المواضع ، كما عيب على مطلع امرئ القيس :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل
بأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني ، فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل ، وأن الشطر الثاني لا يوجد فيه شيء من ذلك . وعيب على مطلع أبي النجم الشاعر المشهور ، فإنه دخل على هشام بن عبد الملك فأنشده :
صفراء قد كدت ولما تفعل * كأنها في أفق عين الأحول
وكان هشام أحول . فأخرجه وأمر بحبسه . وعيب على مطلع جرير ، فإنه دخل على عبد الملك وقد مدحه بقصيدة حائية أولها : أتصحو أم فؤادك غير صاح
هامش
( 1 ) عودة إلى بداية « الأمر الأول » من الفصل الأول من الباب الخامس ، تدرك الأمر السابق لهذا الأمر .
إظهار الحق — صفحة 297 | رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي