تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
الذهن وتوجه إلى تحصيل ملكة في وصفها يحصل له بعد الممارسة والاشتغال ملكة البيان في وصف شيء من هذه الأشياء على قدر سلامة فكره وجودة ذهنه . وليس القرآن في بيان خصوص هذه الأشياء ، فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت عليها العرب في كلامهم . ثانيها : انه تعالى راعى فيه طريقة الصدقة وتنزه عن الكذب في جميعه . وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدا . ولذلك قيل : أحسن الشعر أكذبه . وترى أن لبيد بن ربيعة وحسّان بن ثابت ، رضي اللّه عنهما ، لما أسلما نزل شعرهما ، ولم يكن شعرهما الإسلامي كشعرهما الجاهلي . والقرآن جاء فصيحا مع التنزّه عن الكذب والمجازفة . ثالثها : ان الكلام الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين والباقي لا يكون كذلك ، بخلاف القرآن . فإنه ، مع طوله ، فصيح كله ، بحيث يعجز الخلق عنه . ومن تأمل في قصة يوسف عليه السلام ، عرف أنها مع طولها وقعت على الدرجة العالية من البلاغة . رابعها : ان الشاعر أو الكاتب إذا كرّر مضمونا أو قصة لا يكون كلامه الثاني مثل الأول . وقد تكررت قصص الأنبياء وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية ، واختلفت العبارة إيجازا واطنابا وتفننا في بيانها غيبة وخطابا . ومع ذلك ، كل واحد منها في نهاية الفصاحة ، ولم يظهر التفاوت أصلا . خامسها : انه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة ، وأمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة . ولذلك إذا قيل لشاعر فصيح أو كاتب بليغ أن يكتب تسعا أو عشرة من مسائل الفقه أو العقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والاستعارات الدقيقة ، فإنه ، ولا بدّ ، يعجز في ذلك . سادسها : ان كل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن . كما قالوا في شعراء العرب أن شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل ، وشعر النابغة عند الخوف ، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر ، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء . وقالوا في شعراء فارس ان النظامي والفردوسي وحيدان في بيان الحرب ، والسعدي فريد في الغزل ، والأنوري في القصائد . والقرآن جاء فصيحا على غاية الفصاحة في كل فن ترغيبا كان أو ترهيبا زجرا أو وعظا أو غيرها . وأورد هاهنا بطريق الأنموذج من كل فن آية آية : ففي الترغيب قوله :
( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] . وفي الترغيب قوله :
( وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ )