تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
إنجيل متّى . ولا توجد في العهد العتيق والجديد الآيات الدالّة على تنزيه اللّه عن المكان إلّا قليلة . مثل الآية 1 و 2 من الباب السادس والستّين من كتاب أشعياء ، والآية 48 من الباب السابع من أعمال الحواريين . لكن لمّا كان مضمون هذه الآيات القليلة موافقا للبراهين أوّلت الآيات الكثيرة الغير المحصورة المشعرة بالمكان للّه تعالى ، لا هذه الآيات القليلة . وأهل الكتاب أيضا يوافقوننا في هذا التأويل . فقد ظهر من هذا الأمر الثالث أن الكثير إذا كان مخالفا للبرهان يجب إرجاعه إلى القليل الموافق له ، ولا يعتدّ بكثرته . فكيف إذا كان الكثير موافقا والقليل مخالفا ؟ فإن التأويل فيه ضروري ببداهة العقل . الأمر الرابع : قد علمت في الأمر الثالث أنه ليس للّه شبه وصورة . وقد صرّح به في العهد الجديد أيضا في مواضع عديدة ، أن رؤية اللّه في الدنيا غير واقعة في الآية الثامنة عشر من الباب الأول من إنجيل يوحنّا هكذا : « اللّه لم يره أحد قطّ » . وفي الآية السادسة عشر من الباب السادس من الرسالة الأولى إلى تيموثاوس : « لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه » . وفي الآية الثانية عشر من الباب الرابع من رسالة يوحنّا الأولى : « اللّه لم ينظره أحد قطّ » . فثبت من هذه الآيات ان من كان مرئيا لا يكون إلها قطّ ، ولو أطلق عليه في كلام اللّه أو الأنبياء أو الحواريين لفظ اللّه ومثله . فلا يغترّ أحد بمجرد إطلاق مثل لفظ اللّه ، ولا يدّعي أن التأويل مجاز ، فكيف يرتكب لأن المصير إلى المجاز يجب عند القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ، سيما إذا دلّ البرهان القطعي على المنع . نعم يكون لإطلاق مثل هذه الألفاظ على غير اللّه وجه مناسب لكل محل . مثلا إن إطلاقها في الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام على بعض الملائكة ، لأجل ظهور جلال اللّه فيه ، أزيد من الغير . وفي الباب الثالث والعشرين من سفر الخروج قول اللّه سبحانه هكذا : « 2 أنا أرسل ملاكي أمامك ليحفظك في الطريق ويدخلك إلى المكان الذي أنا استعديت 21 فاحتفظ به وأطع أمره ولا تشاقّه ، إنه لا يغفر إذا أخطأت ، إن اسمي معه 23 وينطلق ملاكي أمامك فيدخلك على الأموريين والحيثانيين والفرزانيين والكنعانيين والحواريين واليابوسانيين الذين أنا أخرجهم » . فقوله : ( أرسل ملاكي أمامك ) وكذا قوله : ( وينطلق ملاكي ) نصّان على أن الذي كان يسير مع بني إسرائيل في عمود سحاب في النهار وعمود نار في الليل كان ملكا من الملائكة . وقد أطلق عليه مثل هذه الألفاظ ، كما ستطّلع عليه لأجل ما قلت ، كما يظهر من قوله : ( إن اسمي معه ) . وقد جاء إطلاقها في مواضع غير محصورة على الملك والإنسان الكامل ، بل على آحاد الناس ، بل على الشيطان الرجيم ، بل على غير ذوي العقول أيضا . وقد علم من بعض المواضع تفسير بعض هذه الألفاظ ، وفي بعض المواضع يدلّ سوق الكلام بحيث لا يشتبه على الناظر في بادئ الرأي . وها أنا أورد عليك شواهد هذا الباب وأنقل في هذا الباب عبارة