تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الصحيحة والكاذبة ، ولا نقول إنهما كانا موجودين على أصالتهما إلى عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم وقع فيهما التحريف . حاشا وكلّا . وكلام بولس على تقدير صحة النسبة إليه أيضا ليس بمقبول عندنا ، لأنه عندنا من الكاذبين الذين كانوا قد ظهروا في الطبقة الأولى ، وإن كان مقدسا عند أهل التثليث ، فلا نشتري قوله بحبّة . والحواريون الباقون بعد عروج عيسى عليه السلام إلى السماء ، نعتقد في حقهم الصلاح ولا نعتقد في حقهم النبوّة . وأقوالهم عندنا كأقوال المجتهدين الصالحين محتملة للخطأ وفقدان السند المتّصل إلى آخر القرن الثاني ، وفقدان الإنجيل العبراني الأصلي لمتّى وبقاء ترجمته التي لم يعلم اسم صاحبها أيضا إلى الآن باليقين ، ثم وقوع التحريف فيها صارت أسبابا بالارتفاع الأمان عن أقوالهم . وهاهنا سبب ثالث أيضا ، وهو أنهم في كثير من الأوقات ما كانوا يفهمون مراد المسيح من أقواله ، كما ستعرف مفصّلا إن شاء اللّه . ولوقا ومرقس ليسا من الحواريين ولم يثبت بدليل كونهما من ذوي الإلهام أيضا . والتوراة عندنا ما أوحى إلى موسى عليه السلام . والإنجيل ما أوحى إلى عيسى عليه السلام . في سورة البقرة [ 87 ] :
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ )
، وفي سورة المائدة [ 46 ] في حق عيسى عليه السلام :
( وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ )
. وفي سورة مريم [ 30 ] نقلا عن عيسى عليه السلام :
آتانِيَ الْكِتابَ
أي الإنجيل . ووقع في سورة البقرة [ 136 ] وآل عمران [ 84 ] :
( وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى )
، أي التوراة والإنجيل . وأما هذه التواريخ والرسائل الموجودة الآن ليست التوراة والإنجيل المذكورين في القرآن ، فليسا واجبا التسليم ، بل حكمهما وحكم سائر الكتب من العهد العتيق أن كل رواية من رواياتها إن صدقها القرآن فهي مقبولة يقينا ، وإن كذبها القرآن فهي مردودة يقينا . وإن كان القرآن ساكتا عن التصديق والتكذيب فنسكت عنه ، فلا نصدق ولا نكذب . قال اللّه تعالى في سورة المائدة [ 48 ] خطابا لنبيّه :
( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
في معالم التنزيل . في ذيل تفسير هذه الآية : « ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج : القرآن أمين على ما قبله من الكتاب . فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم ، فإن كان في القرآن فصدّقوه وإلّا فكذّبوه . وقال سعيد بن المسيّب والضحّاك قاضيا ، وقال الخليل رقيبا وحافظا ، ومعنى الكل أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب اللّه وما لا فلا » . وفي التفسير المظهري : « إن كان في القرآن تصديقه فصدّقوه ، وإن كان في القرآن تكذيبه فكذبوه ، وإن كان القرآن ساكتا عنه فاسكتوا عنه لاحتمال الصدق والكذب » . انتهى . وأورد الإمام البخاري رحمه اللّه تعالى حديثا عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في كتاب