وتليينها كرة غبّ أولى ، حتى ازدادت لنفسي اشراقا واعتبارا وضياء واستبصارا فكشفت عنى اكنّة استارها ، وتبيّنت لي اعلامها ومنارها ، ببراهين نورانيّة ، والهامات رحمانيّة ، وإشارات فرقانيّة ، وأمارات ذوقيّة وجدانية ، فاطمأنت نفسي إليها ، وسكن قلبي لديها ، وانشرح صدري لها ، كمن قد وجد ضالة له عزيزة عليه ، بلى : « ان الحكمة ضالة المؤمن . » « والحكمة اعزّ على أهلها من الدنيا بما فيها ، لأنّهم بالحكمة عرفوها فاستقذروها ، واستنكفوا عنها وتركوها لأهلها وبينها ، وشمروا لما هو خير وأبقى تشميرا . » وبالجملة :
« مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً »
« 1 » .
وانّما حدانى إلى املاء ذلك وجمعه أمور :
منها : كثرة محبّتى للعلوم الحقيقية والمعارف البرهانية ، وشدّة رغبتي إلى معرفة الاسرار الدينيّة والرموز الفرقانيّة ، ومزيد اعتنائى بضبط ما أتحقق به واعتقده من امر الدين ، وما اعتمد عليه في طريق الحق واليقين .
ومنها : حبّى لبّ المباني ، وفصوص المعاني ، وملالى من الأقوال المختلفة ، والآراء الغير المؤتلفة ، وتطويل المقال بالقيل والقال ، فرأيت أن انظم الفرائد ، ورفض الزوائد ، بعد تفريق الخطاء عن الصواب ، وتمييز القشر من اللباب ، وان اجمع شتاتها مهذبا لها تهذيبا ، وافصلها فصولا وجيزة مرتبا لها ترتيبا .
ومنها : ارادتى ان اجمع بين طريقة الحكماء الأوائل في الحقائق والأسرار ، وبين ما ورد في الشرائع من المعارف والأنوار فيما وقع فيه الاشتراك ، ليتبيّن لطالب الحق ان لا منافاة بين ما أدركته عقول العقلاء ، ذوو المجاهدات والخلوات ، أولو التهيّؤ لوردات ما يأتيهم في قلوبهم عند صفائها من العالم العلوي ، وبين ما أعطته الشرائع والنبوات ، ونطقت به السنة الأنبياء والرسل صلوات اللّه عليهم »
هامش
( 1 ) - س 2 ، ى 272 .