تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
يدّخر في إصلاحهم أمرا ، وهذا الآن بحر آخر في المعرفة ، يحرّك أمواجه سرّ القدر الذي منع من ذكره المكاشفون ، وتحير فيه الأكثرون ، ولا يعقله إلا العالمون ، ولا يدرك تأويله إلا الرّاسخون . وأن حظ العوام ، أن يعتقدوا أن كل ما يصيبهم لم يكن ليخطئهم ، وما يخطئهم لم يكن ليصيبهم . وأن ذلك واجب الحصول بحكم المشيئة الأزلية ، وأنه لا رادّ لحكمه ، ولا معقّب لقضائه ، بل كل صغير وكبير مستطر « 1 » ، وحصوله بقدر معلوم منتظر ،
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
[ القمر : 50 ] .

الركن الثاني : حال التوكل

؛ ومعناه أن تكل أمرك إلى اللّه عز وجل ، ويثق به قلبك ، وتطمئن بالتفويض إليه نفسك ، ولا تلتفت إلى غير اللّه أصلا ؛ ويكون مثالك مثال من وكّل في خصومته في مجلس القاضي من علم أنه أشفق الناس عليه ، وأقواهم في كشف الباطل ، وأعرفهم به ، وأحرصهم عليه ، فإنه يكون ساكنا في بيته ، مطمئن القلب غير متفكر في كل الخصومة ، غير مستعين بآحاد الناس ، لعلمه بأن وكيله حسبه وكافيه في غرضه ، وأنه لا يقاومه غيره . فمن تحققت معرفته بأن الرزق والأجل والخلق والأمر بيد اللّه تعالى ، وهو منفرد به لا شريك له ، وأن جوده وحكمته ورحمته لا نهاية لها ولا يوازيها رحمة غيره وجوده ، واتّكل قلبه بالضرورة عليه ، وانقطع نظره عن غيره ؛ فإن لم ينقطع فلا يكون ذلك إلا لأحد أمرين : أحدهما : ضعف اليقين بما ذكرناه ؛ وضعف اليقين إنما يكون لتطرق شك إليه أو لعدم استيلائه على القلب . فإن الموت يقين لا شك فيه ، ولكنه إذ لا يستولي على القلب فهو كشكّ لا يقين فيه . الأمر الثاني : أن يكون القلب في الفطرة جبانا ضعيفا ، فالجبن والجرأة فطرتان ، والجبن يوجب كون النفس مطيعة لأوهام لا شكّ في بطلانها ، حتى قد يخاف الإنسان أن يبيت مع الميت في فراش ، أو في بيت ، مع علمه بأن اللّه لا يحييه ، وأن قدرته عليه كقدرته على أن يقلب في يده العصا حيّة ، وهو لا يخاف ذلك . بل قد يشبه العسل
هامش
( 1 ) مستطر : مكتوب .
الأربعين في اصول الدين — صفحة 147 | الغزالي