تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
يبدأ وإليه يعود . وذلك لأنك لا تعرف معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » ، ولا معنى قوله « 1 » تعالى : « خمرت طينة آدم بيدي » ، ولا معنى قوله تعالى :
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى
[ العلق : 4 ، 5 ، 6 ] . فإنك لا تعلم قلما إلا من قصب ، ولا يدا ولا أصابع إلا من لحوم وعظام ، ولا صورة إلا للألوان والأشكال . فإن انكشف لك ذلك علمت أنك إذا رميت ما رميت ، ولكن اللّه رمى ، حيث سلط عليك دواعي جازمة ، ومعرفة حاكمة على القطع ، بأن نجاتك في الرمي مثلا . حتى انبعثت القدرة التي انفرد بخلقها خادمة للإرادة ، والمعرفة خادمة بالتّسخير والاضطرار ، علمت أنك مضطر إلى عين الاختيار ، فتفعل إن شئت ذلك ، وتشاء إذا شاء اللّه ، شئت أم أبيت . وهذا الآن فيه سرّ يحرّك قاعدة الجبر والاختيار ، ويوهم تناقض التوحيد وتكليف الشرع ، وقد شرحناه في كتاب التوحيد والتوكل والشكر من كتب الإحياء . فاطلبه منه إن كنت من أهله .

[ فصل لا يكفي الإيمان بتوحيد الفعل والذات ]

لا يكفي الإيمان بتوحيد الفعل والذات في إثارة حالة التوكل حتى ينضاف إليه الإيمان بالرحمة والجود والحكمة ، إذ به تحصل الثقة بالوكيل الحق ، وهو أن يعتقد جزما أو ينكشف لك بالبصيرة أن اللّه تعالى لو خلق الخلائق كلهم على عقل أعقلهم بل على أكمل ما يتصور أن يكون عليه حال العقل ، ثم زادهم أضعاف ذلك علما وحكمة ، ثم كشف لهم عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت ولطائف الحكمة ، ودقائق الخير والشر ، ثم أمرهم أن يدبّروا الملك والملكوت ، لما دبّروه بأحسن مما هو عليه ، ولم يمكنهم أن يزيدوا عليه أو ينقصوا منه جناح بعوضة ، ولم يستصوبوا البتة دفع مرض وعيب ونقص وفقر وضر وجهل وكفر ، ولا أن يغيروا قسمة اللّه تعالى من رزق وأجل وقدرة وعجز وطاعة ومعصية ، بل شاهدوا جميع ذلك عدلا محضا لا جور فيه ، وحقّا صرفا لا نقص فيه ، واستقامة تامة لا قصور فيها ولا تفاوت ، بل كل ما يرون نقصا فيرتبط به كمال آخر أعظم منه ، وما ظنّوه ضررا فتحته نفع أعظم منه ، لا يتوصل إلى ذلك النفع إلا به . وعلموا قطعا أن اللّه تعالى حكيم جواد رحيم ، لم يبخل على الخلق أصلا ، ولم
هامش
( 1 ) أي في الحديث القدسي .