والمسجد يعشّش أهل الدين المحبين للّه وفي اللّه . وقس على هذا سائر الأعمال ، فباجتماع هذه النيات ، تزكو الأعمال ، وتلتحق بأعمال المقرّبين ، كما أنه بنقيضها يلتحق بأعمال الشياطين ، كمن يقصد من القعود في المسجد التحدّث بالباطل ، والتفكه بأعراض الناس ، ومجالسة أخدان « 1 » اللهو واللّعب ، وملاحظة من يجتاز به من النّسوان والصبيان ، ومناظرة من ينازعه من الأقران على سبيل المباهاة والمراءاة ، باقتناص قلوب المستمعين لكلامه وما يجري مجراه . وكذلك لا ينبغي أن يغفل في المباحات عن حسن النية ، ففي الخبر : أن العبد يسأل يوم القيامة عن كلّ شيء حتى عن كحل عينيه ، وعن فتات الطين بإصبعيه ، وعن لمسه ثوب أخيه . ومثال النية في المباحات أن من يتطيب يوم الجمعة يمكنه أن يقصد التنعم بلذته والتفاخر بإظهار ثروته ، أو التزويق للنساء وأخدان الفساد ، ويتصور أن ينوي اتّباع السنّة وتعظيم بيت اللّه تعالى ، واحترام يوم الجمعة ، ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة الكريهة ، وإيصال الراحة إليهم بالرائحة الطيبة ، وحسم باب الغيبة ، إذا شموا منه رائحة كريهة . وإلى الفريقين الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من تطيب في اللّه جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك ، ومن تطيب لغير اللّه جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة » .
[ فصل في أن النية لا تدخل تحت الاختيار ]
اعلم أن النية لا تدخل تحت الاختيار ، فلا ينبغي أن تغتر فتقول بلسانك وقلبك :
نويت من القعود في المسجد كذا وكذا ؛ وتظن أنك قد نويت ، إذ عرفت من قبل أن النية هي الباعث المتحرك الذي لولاه لم يتصور وجود العمل . والنية المتكلّفة كقول القائل :
نويت أن أحب فلانا وأعشقه وأعظّمه ؛ أو نويت أن أعطش أو أجوع أو أشبع . فإن لكل هذه دواعي وصوارف ، وتحقّقها أسبابها ، إذ لا يتصور حصولها دون أسبابها . وقول القائل : نويتها قبل تحققها ، حديث نفس لا نيّة . فمن وطئ لغلبة شهوة الوقاع من أين ينفعه قوله نويت الوطء لحراثة الولد وتكثير عدد من به المباهاة ، بل لا تظفر بانبعاث هذه النيات من قلبك إلا إذا قوي إيمانك وتمّت معرفتك بحقارة الحظوظ العاجلة ، وعظم ثواب الآخرة ، حتى إذا غلب ذلك عليك انبعث منك الرغبة ضرورة في كل ما هو وسيلة
هامش
( 1 ) أخدان : جمع خدن ، وهو الصاحب .