إلى ثواب الآخرة ، وإن لم ينبعث فلا نيّة لك . ولمثل هذا توقف السّلف في جملة من الخيرات ، حتى روي أن محمد بن سيرين لم يصلّ على جنازة الحسن البصري ، وقال ليس تحضرني النيّة . وقيل لطاوس : ادع لنا ! فقال : حتى أجد له نيّة . وقال بعضهم : أنا في طلب نية لعيادة رجل منذ شهر ، فما صحّت لي نية بعد .
ومن عرف حقيقة النية وعلم أنها روح العمل ، فلا يتعب نفسه بعمل لا روح له ، ويحقق ذلك أن المباح قد يصير أفضل من العبادة إذا حضرت فيه نية . فمن له نية في الأكل والشرب ليقوى على العبادة ، وليس تنبعث له نية الصوم في الحال ، فالأكل أولى له . ومن ملّ العبادة وعلم أنه لو نام لعاد نشاطه ، فالنوم أفضل له . بل لو علم مثلا أن الترفه بدعابة وحديث مزاح في ساعة يرد نشاطه ، فذلك أفضل له من الصلاة مع الملال .
قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا يملّ حتى تملوا » . وقال أبو الدرداء : إني لأستجمّ نفسي بشيء من اللّهو فيكون ذلك عونا لي على الحق . وقال علي - رضي اللّه عنه - : « روّحوا النفوس ، فإنها إذا أكرهت عييت » . وهذه دقائق يستثقلها الظاهريون من الفقهاء ، كما يستثقل الطبيب الضعيف من الأطباء معالجة المحرور باللّحم ؛ والحاذق منهم قد يأمر به ليعود قوة المريض حتى يحتمل الدواء النافع بعده .
الركن الثاني في إخلاص النية :
وقد قال اللّه تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ
[ البينة : 5 ] ، وقال اللّه تعالى :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
[ الزمر : 3 ] ، وقال :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
[ النساء : 146 ] . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : قال اللّه تعالى : « الإخلاص سرّ من سرّي استودعته قلب من أحببت من عبادي » . وقال - عليه السلام - لمعاذ : « أخلص العمل ، يجزك القليل منه » . وقال - عليه السلام : « ما من عبد يخلص العمل أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » .
[ فصل في حقيقة الإخلاص ]
حقيقة الإخلاص تجرد الباعث الواحد ، ويضادّه الإشراك ، وهو أن يشترك الباعثان ، وهو كل ما يتطور أن يمازجه غيره ؛ فإن صفا من كل شوب منه يسمّى خالصا .
وقد عرفت أن النية هي الباعث ، فمن لا يعمل إلا للرياء فهو مخلص ، ومن لا يعمل إلا