للّه فهو مخلص ، ولكن خصص الاسم بأحد الجانبين بالعادة ، كالإلحاد ، فإنه ميل ، ولكن خصص بالميل إلى الباطل . وزوال الإخلاص بشوائب الرياء قد ذكرناه ، ولكن قد يزول أيضا بأغراض أخر ؛ فإن الصائم قد يقصد من العبادة أن ينتفع بالحمية الصالحة الحاصلة بالصوم ، وقد يقصد المعتق أن يتخلّص بالعتق من مئونة العبد وسوء خلقه ، والحاجّ يحجّ ليصحّ مزاجه بحركة السفر ، أو يهرب من مشقة تعهد العيال ، أو من إيذاء الأعداء ، أو من التبرم « 1 » بالمقام مع الأهل ، والمتعلم يتعلم العلم ليسهل عليه طلب المعاش ، أو يكون محروسا بعز العلم عن الظلم ، أو يكتب مصحفا ليجوّد خطّه ، أو يحج ماشيا ليخفف مئونة الكراء ، أو يتوضأ ليتنظف أو يتبرّد ، أو يغتسل لتطيب رائحته ، أو يعتكف ليخفف عليه كراء المسكن ، أو يصوم ليخفف عن نفسه تعب الطّبخ وشراء الطعام ، أو يتصدق ليدفع عن نفسه إبرام السائل ، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض . فهذه الأغراض قد يتجرد منها وقد يشوب قصد العبادة شوبا خفيّا ، فإذا خطر شيء من هذه الأغراض في الفعل ، فقد ذهب الإخلاص ، وذلك عسير جدا ، ولذلك قال بعضهم : في إخلاص ساعة ، نجاة الأبد ، ولكن ذلك عزيز . وقال أبو سليمان الداراني : طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا اللّه عز وجل . وكان معروف الكرخي يضرب نفسه ويقول : يا نفسي أخلصي تتخلّصي .
فصل
اعلم أن امتزاج هذه الشّوائب على مراتب ، فإنها قد تغلب وقد تكون مغمورة ، وقد تكون مساوية لقصد العبادة ، ولا تمحو أصل الثواب في المباحات . ومهما بقي شوب من إرادة اللّه عز وجل ، فله ثواب بقدر ذلك الشوب ، والباقي لا ثواب عليه . فأما إذا كان في العبادة أمر بأن يخلصها اللّه تعالى ، فإن كان الشوب غالبا بطلت العبادة ، وإن كان مساويا أو مغلوبا بطل الإخلاص . ولكن هل يتوقف انعقاد العبادة وحصول أصلها على انتفاء الشوائب كلها ؟ فيه نظر أشرنا إليه في الرياء . ويطلب استقصاؤه من كتاب الإحياء .
الركن الثالث الصدق :
وهو كمال الإخلاص ؛ قال اللّه تعالى :
رِجالٌ صَدَقُوا ما
هامش
( 1 ) التبرم من برم مثل ضجر ضجرا وزنا ومعنى .