اطّلعوا على الأسرار بأنفسهم وشاهدوا شواهد الشرع ازدادوا نورا على نور ، والعميان الجاهلون يحرمون الوقوف على الحدود ، والعثور على الأسرار جميعا ، فلا هم كعبيد أتقياء ، ولا كأحرار كرام ؛ وهم الذين قال فيهم :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي . . .
« 1 » الآية .
وقال تعالى :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى . . .
[ الرعد :
19 ] الآية . وقال :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
، إلى قوله :
فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[ طه : 124 - 126 ] . وآيات اللّه حكمته في خلقه . وقد ألقيت إلى الخلق على لسان الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - كما فصلت في جملة الشريعة من أولها إلى آخرها . وما من حد من حدود الشرع إلا وفيه سر ، وخاصية ، وحكمة ، يعرفها من يعرفها ، وينكرها من يجهلها . وشرح ذلك طويل ، فليطلب من كتاب الشكر . ولا يتصور تمام الشكر إلا ممن قام للّه تعالى وحده ، مخلصا لا رغبة فيه لغيره ؛ فلنذكر الإخلاص والصّدق :
الأصل السادس الإخلاص والصدق :
اعلم أن للإخلاص حقيقة وأصلا وكمالا ، فهذه ثلاثة أركان . وأصله النيّة ، إذ فيها الإخلاص . وحقيقته نفي الشّوب « 2 » عن النية ، وكماله الصدق .
[ أركان الاخلاص ]
الركن الأول النية :
وقد قال اللّه تعالى :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
[ الأنعام : 52 ] ومعنى النية إرادة وجهه . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيات . . . » الحديث . وقال : « إن الملائكة ترفع صحيفة عمل العبد فيقول اللّه تعالى : ألقوها ، فإنه لم يرد بها وجهي ، واكتبوا له كذا وكذا ، فيقول الملائكة : إنه لم يعمل منها شيئا ، فيقول اللّه عز وجل : إنه نواه إنه نواه » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الناس أربعة : رجل أتاه اللّه علما ومالا ، فهو يعمل بعلمه في ماله ، فيقول رجل : لو آتاني اللّه ما آتاه لعملت كما يعمل ، فهما في الأجر سواء ، ورجل آتاه اللّه مالا ، ولم يؤته علما فهو يخبط بجهله في ماله ، فيقول رجل : لو آتاني اللّه تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في الوزر
هامش
( 1 ) من الآية 13 من سورة السجدة ؛ وتمامها :وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
( 2 ) الشوب : ما خلطته بغيره .