السعادة والشقاوة على ما ليس إليه جهل ، فمن أين يعلم أنه يبقى إلى أن يتوب ؟ وإنّ أكثر صياح أهل النار من التسويف ، لأنهم سوّفوا حتى فاجأهم مرض ساقهم إلى الموت ، كيف ، وإنما يسوّف لأنه يعجز عن قمع الشهوات في الحال ! فإن كان ينتظر يوما يسهل فيه قمع الشهوات ، فهذا يوم لم يخلق أصلا ، بل مثاله مثال امرئ يريد أن يقلع شجرة عجز عنها لضعفه وقوة رسوخ الشجرة ، فيؤخر إلى السنة القابلة وهو يعلم أن الشجرة تزداد كلّ يوم رسوخا ، وقوته تزداد كل يوم قصورا ونقصانا ، وذلك غاية الجهل .
الرابع : أن يعد نفسه بالكرم والعفو ، وذلك غاية الحمق أوردها الشيطان في معرض الدّين ؛ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على اللّه تعالى » .
الخامس : أن يكون - والعياذ باللّه - شاكّا في أمر الآخرة ؛ وقد ذكرنا علاجه في خاتمة الأخلاق الذميمة .
فصل
التوبة من الذنوب كلها مهمة واجبة ، وعن الكبائر أهم ؛ والإصرار على الصغيرة أيضا كبيرة ؛ فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع رجوع واستغفار ، وتواتر الصغائر عظيم التأثير في تسويد القلب ، وهو كتواتر قطرات الماء على الحجر ، فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة ، مع لين الماء وصلابة الحجر . وتعظم الصغيرة بأسباب :
إحداها : أن يستصغرها العبد ويستهين بها ، فلا يغتم بسببها ؛ قال بعضهم :
الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل شيء عملته مثل هذا . الثاني : السرور بها ، والتبجح بسببها ، واعتقاد التمكن منها نعمة ، حتى أن المذنب ليفتخر فيقول : ما رأيتني كيف شتمته ، وكيف مزقت عرضه ، وكيف خدعته في المعاملة ؟ وذلك عظيم التأثير في تسويد القلب . الثالث : أن يتهاون بستر اللّه عليه ، ويظن أن ذلك لكرامة عند اللّه تعالى ، ولا يدري أنه ممقوت ؛ وقد أمهل ليزداد إثما فيكون في الدرك الأسفل من النار . الرابع :
أن يجاهر بالذنب ويظهره ، أو يذكره بعد فعله ؛ وفي الخبر : كل الناس معافى إلا المجاهرون . الخامس : أن يصدر الصغيرة عن عالم يقتدى به ، فذلك عظيم ، لأنه يبقى بعد موته ، فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه ؛ ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة . وروي أن بعض علماء بني إسرائيل تاب عن ذنوبه وبدعته ،