فإنه مبعد عن اللّه ، والاشتغال بإماطته توبة ، لأنه رجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب .
فإن خلا عن جميع ذلك فلا يخلو عن غفلة عن اللّه ، وذلك أيضا طريق البعد . ويلزمه الرجوع عنه بالذكر ، ولذلك قال اللّه تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] ، وإن كان حاضرا على الدوام ؛ وأنّى يتصور ذلك ؟ فلا يخلو عن ملازمة مقام نازل عن المقامات الرفيعة وراءه ، وعليه أن يترقى منه إلى ما فوقه ؛ ومهما ترقى منه استغفر عن مقامه الذي خلّفه ، لأنه تقصير بالإضافة إلى ما أدركه ؛ وذلك لا نهاية له ، فذلك قال عليه السلام : « وإنه ليغان « 1 » على قلبي حتى أستغفر اللّه تعالى في اليوم والليلة سبعين مرة » .
وكل ذلك كان توبة منه ؛ إلا أن توبة العوام عن الذنوب الظاهرة ، وتوبة الصالحين عن الأخلاق الذميمة الباطنة ، وتوبة المتقين عن مواقع الريبة ، وتوبة المحبين عن الغفلة المنسية للذكر ، وتوبة العارفين عن الوقوف على مقام يتصور أن يكون وراءه مقام :
والمقامات في القرب من اللّه لا نهاية لها ، فتوبة العارف لا نهاية لها أيضا .
[ فصل في ان علاج التوبة حل عقدة الاصرار ]
التوبة إذا اجتمعت شرائطها ، فهي مقبولة لا محالة . ولا يخفى عليك ذلك إن فهمت معنى القبول ؛ فمعنى القبول : أن يحصل في قلبك استعداد القبول لتجلي أنوار المعرفة في القلب ، وإنما قلبك كالمرآة يحجبه عن التجلي كدورات الشهوة والرغبة فيها ، ويرتفع من كل ذنب ظلمة إليه ، ومن كل حسنة نور إليه ، فالحسنات تصقل النفس ، ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أتبع السيئة الحسنة تمحها » . ونسبة التوبة إلى القلب نسبة الصابون إلى الثوب ، ولا بد أن يزول منه الوسخ إذا استعمل فيه على وجهه . ومن تاب فإنما يشك في قبول التوبة لأنه ليس يستيقن تمام شروطها ، كما أن من شرب المسهل لا يستيقن حصول الإسهال به لأنه لا يدري وجود تمام الشرائط في أدويتها ، ولو تصور أن يعلم ذلك ، لتصوّر أن يعلم القبول في حق الشخص المعين . ولكن هذا الشك في الأعيان لا يشكّكنا في أنّ التوبة في نفسها بطريق القبول لا محالة .
فصل
علاج التوبة حل عقدة الإصرار ، فإنه لا مانع منها سوى الإصرار ، ولا حامل عليه
هامش
( 1 ) يغان على قلبي : تغشته الشهوة .