تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
سوى الغفلة والشهوة ؛ وذلك مرض في القلب ، وعلاجه كعلاج أمراض البدن . لكن هذا المرض أكثر من مرض الأبدان لثلاثة أسباب : أحدها : أنه من مرض لا يعرف صاحبه أنه مريض ، وهو كبرص على وجه من لا مرآة له ، فإنه لا يعالجه لأنه لا يعرفه ، ولو أخبره غيره ربما لم يصدقه . الثاني : أن عاقبة هذا المرض لم يشاهدها الإنسان ولم يجرّبها ، فلذلك تراه يتكل على عفو اللّه ويجتهد في علاج مرض البدن غاية الجهد . الثالث : وهو الداء العضال فقد الأطباء ؛ فإن الطبيب هو العالم العامل . وقد مرض العلماء في هذه الأعصار مرضا عسر عليهم علاج أنفسهم ، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا ، وقد غلب ذلك على العلماء ، واضطرّوا إلى الكف عن تحذير الخلق من الدنيا كيلا تنكشف فضيحتهم ، فافتضحوا لمّا اصطلحوا على الإقبال على الدنيا والتجاذب لها والتكالب عليها . فبهذا السبب عم الداء وانقطع الدواء ، واشتغل الأطباء بفنون الإغواء ، فليتهم إذا لم يصلحوا لم يفسدوا ، وليتهم سكتوا وما نطقوا ، بل صار كل واحد كأنه صخرة في فم الوادي ، لا هي تشرب ولا تترك الماء ليشر به غيرها . وجملة القول في علاجه أن تنظر في سبب الإصرار وهو يرجع إلى خمسة أبواب : أولها : أن العقاب الموعود ليس بنقد ، والطبع يستهين بما لا يوجد محققا في الحال . وعلاجه أن تتفكر لتعلم أن كلّ ما هو آت قريب ، وأن البعيد ما ليس بآت ، وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله ؛ فما يدريه لعله في آخر أيامه ، أو في آخر سنة من عمره ، ثم يتفكر أنه كيف يتعب في الأسفار فيركب الأخطار خوفا من الفقر في الاستقبال . الثاني : أن اللّذات والشهوات أخذت بمخنقه في الحال ، فليس يقدر على قلعها ، وعلاجه أن يتفكر أنه لو ذكر له طبيب نصرانيّ بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت ، وهو ألذّ الأشياء عنده ، كيف يتركه ! فليعلم أن اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم أصدق من الطبيب النصراني ، والخلود في النار أشد من الموت بالمرض ، وليقرر على نفسه أنه إذا كان يشق عليه ترك اللذات أياما قلائل ، فكيف لا يشق عليه ملابسة النار والحرمان عن الفردوس ونعيمه أبد الدهر ؟ الثالث : أنه يسوّف بالتوبة يوما فيوما ؛ وعلاجه أن يتفكر ويعلم أن بناء خطر