تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦

[ فصل في وجوب التوبة على كل أحد ]

إذا عرفت حقيقة التوبة انكشف لك أنها واجبة على كل أحد ، وفي كل حال ؛ ولذلك قال اللّه تعالى :
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً
[ النور : 31 ] ، فخاطب الجميع مطلقا . أما وجوبها فلأن معناها معرفة كون الذنوب مهلكة ، والانبعاث لتركها ، وهو جزء من الإيمان ، أعني هذه المعرفة ، فكيف لا تجب ؟ وأما وجوبها على كل واحد فهو أن الإنسان مركب من صفات بهيمية وسبعيّة وشيطانية وربوبية ، حتى يصدر من البهيمية الشهوة والشره والفجور ، ومن السّبعية الغضب والحسد والعداوة والبغضاء ، ومن الشيطانية المكر والحيلة والخداع ، ومن الربوبية الكبر والعز وحب المدح والاستيلاء . وأصول هذه الأخلاق هذه الأربع ، وقد عجنت في طينة الإنسان عجنا محكما لا يكاد يتخلص منها ، وإنما ينجو من ظلماتها بنور الإيمان المستفاد من العقل والشرع . فأول ما يخلق في الآدمي البهيمية فيغلب عليه الشّره والشهوة في الصبا ، ثم يخلق فيه السّبعية فيغلب عليه المعاداة والمنافسة ، ثم يخلق فيه الشيطانية فيغلب عليه المكر والخداع ، إذ تدعوه السبعية والبهيمية إلى أن يستعمل كياسته في حيل قضاء الشهوة وتنفيذ الغضب . ثم يظهر فيه بعد ذلك صفات الربوبية ، وهو الكبر والاستيلاء وطلب العلو . ثم بعد ذلك يخلق العقل الذي يظهر فيه نور الإيمان وهو من حزب اللّه وجنود الملائكة . وتلك الصفات من جنود الشيطان . وجنود العقل يكمل عند الأربعين ، ويبدو أصله عند البلوغ . وأما سائر جنود الشيطان يكون قد سبق إلى القلب قبل البلوغ ، واستولى عليه وألفته النفس ، واسترسلت في الشهوات متابعة لها ، إلى أن يرد نور العقل فيقوم القتال والتطارد بينهما في معركة القلب . فإن ضعف جند العقل ونور الإيمان لم يقو على إزعاج جنود الشيطان فتبقى جنود الشيطان مستقرة آخرا كما سبق إلى النزول أولا ، وقد سلم للشيطان مملكة القلب . وهذا القتال ضروري في فطرة الآدمي ، إذ لا يتّسع له خلقة الولد لما لا يتسع له خلقة الأب ؛ وإنما حكى لك حال آدم صلوات اللّه عليه لتتنبّه به أن ذلك كان مكتوبا عليه ، وهو مكتوب على جميع أولاده في القضاء الأزلي الذي لا يقبل التبديل ؛ فإذا لا يستغني أحد عن التوبة .

فصل

وأما وجوبها في كل حال ، فلأن الإنسان لا يخلو في جميع أحواله عن ذنب في جوارحه أو في قلبه ، ولا يخلو عن خلق من الأخلاق الذميمة مما يجب تزكية القلب عنه ،
الأربعين في اصول الدين — صفحة 116 | الغزالي