تكون ممتنعة التغير والتبدل ، من حيث إنها ماهية . ويمتنع أن يكون جواز التغير والتبدل نعتا وصفة لها ، بل لا بد أن يكون هذا الجواز نعتا للوجود فقط أو لموصوفية الماهية بالوجود . ثم إن الوجود قبل تجدده البتة ما كان حاصلا ، فعلمنا : أن عدم حصوله وعدم تحققه في نفسه ، لا يمنع من الحكم عليه بالجواز .
وثانيها : ان الخصم يحكم على هذا الّذي عدم وفنى بالكلية ، بأنه يمتنع عوده والمحكوم عليه بامتناع العود ، ليس الا ذلك الشخص الّذي فنى فعلمنا : أن فناءه وعدمه لا يمنع صحة الحكم عليه بأنه جائز أو ممتنع .
وثالثها : ان الّذي فنى فهو بعد فنائه ، اما أن يجوز الحكم عليه بشيء من الأحكام ، أو لا يجوز . فان جاز الحكم عليه فقد سقط هذا السؤال ، وان امتنع الحكم عليه كان ذلك متناقضا ، لأن تخصيصه بأنه يمتنع الحكم عليه : حكم عليه بهذا الامتناع . فثبت : أن القول بأنه يمتنع الحكم عليه يوجب كونه محكوما عليه . وما أدى ثبوته إلى نفيه ، كان باطلا . فبطل القول بأن ما فنى وعدم ، امتنع الحكم عليه .
ورابعها : انا نحكم على شريك الله تعالى بأنه ممتنع ، وعلى الجمع بين الضدين بأنه ممتنع . فالمحكوم عليه بهذا الامتناع هو شريك الله تعالى ، والجمع بين الضدين . ثم هذه الماهيات ليس لها تحقق أصلا البتة باتفاق العقلاء . فعلمنا : أن الحكم على الشيء لا يستدعى كون المحكوم عليه ثبوتيا .
لا يقال : المحكوم عليه بالامتناع هو الصورة المستحضرة في الذهن .
لأنا نقول : تلك الصورة لما كانت حاضرة في الذهن موجودة هناك ، لم يكن الحكم عليها بكونها ممتنعة الوجود ، بل المحكوم عليه بالامتناع هو وجوده في الخارج ، لكن وجوده في الخارج غير ثابت أصلا ، فاذن المحكوم عليه بهذا الحكم لا تحقق له البتة .
الأربعين في أصول الدين — صفحة 41
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤١