الجنة » لأن البشر في رتب الملائكة ولم يتصل بهم النطق إلا لمّا صاروا مجاورين لهم وبالنطق انفصل البشر عن الحيوان ، وشابه الملائكة ، فإذا كان نطقه لقربه منهم فهل يعدم النطق إذا صار في جملتهم وهل عادم النطق إلا أخرس وهذه صفة الحيوان الخرس وقد قال اللّه تعالى عن الملائكة قولهم :
( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ )
« 82 » والتسبيح والتقديس لا يكون إلا نطقا ، وقوله إن النطق لا يكون إلا بآلة جسمانية فهذا منه غلط إنما يضطر إلى ذلك من كان مربوطا برباط الجسم فأما إذا فارق الجسم وتجرد روحانيا ، فإنه يصير سرورا كله فرحا كله عزّا كله نطقا كله إدراكا كله ، غبطة كله لأنه قد صار سارحا في فضاء عالم الملكوت خالصا من ربقة الأجسام ، ولذلك قال سيدنا المؤيد أعلى اللّه قدسه في بعض مناجاته ناطقا من غير لسان ولا لهوات ، وقد روى مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أنه قعد على باب رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وهو يسمع كلام الملائكة معه ويعد سلامهم ويعقد ذلك بيده حتى عدّ نيّفا وسبعين ، ثم دخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله فقال يا رسول اللّه زارك اليوم نيّف وسبعون ملكا فقال بم عرفت ذلك قال أحصيت سلامهم عليك ؟ فقال : نعم يا علي إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى فحقق بهذا القول نطق الملائكة ، ثم الكلام المعروف في يوم بدر عن جبرائيل عليه السلام حين كان راكبا بفرس يسمى الحيزوم فسمع ، وهو يقول أقدم حيزوم وسئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك فقال : هو جبرائيل عليه السلام وفرسه الحيزوم وأما سؤاله عن الأبيات الملغوزة
هامش
( 82 ) سورة البقرة : الآية 30 .