تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أربع رسائل كلامية — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
واليد بالبطش فيما خلقها له من أمر بمعروف ، أو نهى عن منكر ، أو جهاد في سبيله ، أو إعانة ضعيف ، أو إغاثة ملهوف ، أو وضع في محالّها من هيئات المصلّي . والرجل بالسعي في بقاعه التي أمر بالسعي إليها ، ورغّب بالعكوف عليها . وأشرفها بيته الحرام وكعبته المقدّسة ، وحرم نبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام ، ومشاهد الأنبياء والأئمّة عليهم السّلام ، والجوامع والمساجد ، ومجالس العلم ، وزيارة الإخوان في اللّه تعالى . وإن لم يكن هناك ما يحتاج إلى البطش والتنقّل ، شغلها بالسكينة والوقار مستشعرا في جميع ذلك عظمة بارئه وكمال منشئه ، معتقدا أنّ جميع ذلك من أعظم نعمه وأكبر مننه ، فحينئذ يحتاج أن يشكره على حسن توفيقه لشكره ، وهلمّ جرّا . ولمّا خطر هذا لداود على نبيّنا وعليه السلام وناجى به ربّه أجابه : « إذا علمت أنّ ذلك منّي فقد شكرتني » « 1 » . وحينئذ نقول : هذه العبادات وخصوصا الصلاة فإنّها مشتملة على اللوازم الثلاثة المنبعثة عن الاعتقاد القلبي ، ولا معنى للشكر عند الخاصّة إلّا ذلك ، أو نقول : إنّ الشكر يكون بفعل هذه الأمور أقرب إلى الوقوع وأبعد من الارتفاع ، وهو معنى اللطف في الشكر . ولعلّ القائل عنى ذلك ، وهو في الحقيقة شعبة من المذهب الأوّل ؛ فإنّ الأوّل زعم أنّها لطف في التكليف العقلي مطلقا ، وهذا يقول بأنّها لطف في نوع منه ، وهو الشكر ، وإن لم يكن الشكر بعينه على المصطلح العامّي . وبهذا التوجيه يعرف حال بقيّة الأحكام من حيث إنّ الندب كالتكملة للفرض ، واجتناب الحرام والمكروه يوجب صيانة اللوازم عن تطرّق النقص . وهو مذهب حسن . المذهب الثالث : لجمهور الأشعريّة وهو أنّ الأحكام إنّما شرّعت لمجرّد الأمر والنهي ، لا لغاية أخرى ، بناء على هدم قاعدة الحسن والقبح العقليّين ، وأنّ أفعال البارئ جلّ ذكره معلّلة بالأغراض ، بل على عدم الحاجة إلى العبادة أصلا . ولعلّ الباعث على هذا القول ليس هو هذا البناء ، وإنّما نظر إلى القول بالشكر
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار 68 : 36 .