تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أربع رسائل كلامية — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
الثاني : إبطال كلّ من الأقوال الأخيرة . أمّا مذهب الأمر والنهي ؛ فلأنّه بناء على ما سلف ، وعلى فقد وجه الفعل . ونحن نقول : إنّهما فرع الوجه فلا يكونان مؤثّرين فيه وإلّا لجاز الأمر بالقبيح فينقلب حسنا ، والنهي عن الحسن فينقلب قبيحا ، وإنّه باطل . وأمّا الترك ؛ فلتوجّه الخطاب بالأفعال ، ولا شعور بالترك البتّة ؛ ولأنّه لو اعتبر لوجب بيانه قبل بيان الواجب والقبيح ، ضرورة تقدّم العلّة الغائيّة في التصوّر ، ولكان لا يفرّق بين الساهي والمصلّي ، وبين الساهي عن الشرب والشارب إذا لم يفعلا تركا . وأمّا الشكر ؛ فلأنّه لغة طمأنينة النفس على تعظيم المنعم كما نقله بعض المتكلّمين ، أو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف كما ذكره اللغوي « 1 » . وعرفا الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم ؛ لدوران الشكر معه وجودا وعدما . وظاهره مغايرة العبادة للمعنيين . ولأنّ مجرّد الاعتراف القلبي كاف في معرفة اللّه سبحانه شكر العبد ، وإنّما احتيج إلى اللسان لإشعار المشكور ، فلا معنى لوجوب الزائد على الاعتراف . ولأنّ الشكر يمتنع الخلوّ من وجوبه بخلاف العبادة ، فإنّها قد يقبح واجبها كصلاة الحائض ، ويجب قبيحها كأكل الميتة ، ومن ثمّ تطرّق النسخ إلى السمعيّات . ولقبح الإلزام بشكر النعمة شاهدا فكذا غائبا . وفي الجميع نظر . أمّا الأوّل ؛ فلأنّه وارد في كلّ عبادة ، عقليّة كانت أو نقليّة فإنّ فعلها مقرّب من عبادة أخرى ، وتركها مبعّد ، مع أنّ وجوبها لا يكون معلّلا بها ، فلو صحّ هذا لزم تعليل كلّ عبادة بالأخرى ، وهم لا يقولون به . وأمّا الآيات الكريمة ؛ فإنّها تدلّ على حصول هذه الغايات عندها . وأمّا أنّ تلك الغايات هي العلّة الموجبة لأصلها فلا . والنزاع إنّما هو فيه .
هامش
( 1 ) . لسان العرب 4 : 424 ، « ش . ك . ر » .