قال : ( اللازم الثاني : وهو مسبّب عن اللازم الأوّل ، وهو شغل اللسان بتنزيه الله تعالى عمّا وصفه الظالمون ، وتحميد بما حمده الحامدون ؛ بحيث لا يفتر عن ذكر الله تعالى باللسان كما لم يفتر عن ذكره بالجنان . قال الله سبحانه :
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
« 1 » وصف الملائكة بهذا الوصف الشريف ؛ لينبّه البشر على اقتفائه ، ويتشرّفوا باصطفائه ، فهنالك تصير ألسنتهم مخزونة إلّا عن ذكره ، وألفاظهم موزونة إلّا فيما يتعلّق به ، وهو السرّ في الأمر بالصمت إلّا عن ذكر الله ) .
أقول : هذا اللازم الثاني وهو مسبّب عن شغل النفس بالفكر في عظمته ، فإنّ من لازمه لزمه شغل لسانه في تنزيهه وتحميده .
ووجه الملازمة إنّما يحدث من اللسان وغيره من أفعال الجند الذين هم الجوارح ، مسبّب عن أمر السلطان الذي هو القلب المعنيّ به العقل .
نعم ربّما يتوقّف للجوارح عمل بدونه نادرا كالهذر والعبث الصادرين عن السهو والغفلة ، ويجب رفع « الراء » من « يفتر » ؛ لأنّه خبر لا نهي ، وشاهده « كما لم يفتر » ، ولو كان نهيا كان « كما لا يفتر » .
وقوله : فهنالك تصير ألسنتهم مخزونة إلى آخره نتيجته دوام شغل اللسان فيما ذكر ، وهي لازمه لزوما بيّنا .
قال : ( اللازم الثالث : استخدام القوى والأركان فيما أمر به من عبادته ، بحيث لا يكون لها انقطاع ولا اضمحلال ، فيشغل العين بالنظر في عجائب مصنوعاته ، والبكاء من خشيته ؛ لما يراه من التقصير في طاعته . والأذن بسماع كلامه العزيز لتلقّي أوامره ونواهيه ، والتفهّم لمقاصده ومعانيه . واليد
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 20 .