تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أربع رسائل كلامية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
من هذين الوجهين لم يكن منصرفا عن النظر إليه تعالى ، بل ذلك من جملة العلم بربوبيّته وكمال إلهيّته . ولهذا قال : ( وهنالك يستوعب جلال الله سبحانه الفكر بحيث يصير مقصورا عليه ليس إلّا ، ويصير همّ العاقل شيئا واحدا ، وغايته ذلك الشيء ، فينظر فيه ، وبه ، ومنه ، وإليه ، وعليه ، ويحذف غيره من درجة الاعتبار حتّى الجنّة والنار ) . أقول : وهنالك يعني عند شغل النفس بالأمور المذكورة . يستوعب جلال الله سبحانه الفكر ، بحيث يصير الفكر مقصورا على الجلال . ويصير همّ العاقل شيئا واحدا ، على معنى أنّه يرجع عن تفصيل تصوّراتها إلى الجلال الموجب لها ، حتّى يكون الجلال هو الغاية المستحضرة والنهاية المعتبرة ، ولم يبق له همّ ولا همّة سواه ، ولم يوجّه فكره إلّا إلى ذكراه ، فينظر فيه ليقف على مراتبه ؛ ليصل بذلك إلى أعلى مطالبه . وليكن النظر في عظمته وجلاله سببا إلى التصديق بزيادة كماله . وينظر بالجلال ، على معنى أنّه يجعله آلة في تحصيله إليه من حيث الإجمال والتحصيل ، لا من حيث التفصيل . وينظر منه ، أي يجعل مبدأ نظره من الجلال على معنى الانتقال من المطالب إلى المبادئ معتقدا أنّما يظفر به صائر منه وفائض عنه . وينظر إلى الجلال ، بمعنى ترجيع النظر كرّتين بعد تحصيل المنظور فيه ؛ ليرسخ في القوّة العاقلة . وينظر عليه ، بمعنى معتمدا في نظره في الجلال عليه متبرّئا من الحول والقوّة إلّا إليه . ويحذف غيره من درجات اعتباره حتّى رجاء جنّته وخوف ناره ، اللذين هما سبيل العبد والأجير ، بل لا يوجّه ذلك إلّا إلى العليّ الكبير سبحانه وتعالى عمّا يشركون .
أربع رسائل كلامية — صفحة 158 | الشهيد الأول