الغيبة ، وليس هذا بنسخ لإقامة الحدود ، لأن الحدّ إنما يجب إقامته مع التمكن وزوال الموانع ، ويسقط مع الحيلولة ، وإنما يكون مع ذلك نسخا لو سقط فرض إقامة الحدّ مع التمكن وزوال الأسباب المانعة . ثم يقلب هذا على العامة أصحاب الشّبهة ، فيقال لهم : كيف قولكم في الحدود التي تستحقها الجناة في الأحوال التي لا يتمكن فيها أهل الحل والعقد من اختيار الإمام ونصبه ؟ فأي شيء قالوه في ذلك قلنا مثله .
هذا مضافا إلى أننا نسأل أصحاب الشبهة : كيف لا تقيمون الأحكام والحدود في وقتنا الحاضر مع أنكم لا تعتقدون بوجود الإمام عليه السّلام ، فهل غيابه واستتاره هو المانع لكم من ذلك مع عدم اعتقادكم بوجوده ، أم أن المانع هو جهات خارجية اقتضت عدم القدرة على إقامة ما ذكرتم ؟ فلا شك أن المانع عندكم هو الثاني ، وعليه فيتحقق مطلوبنا وهو أن المانع ليس غيابه وإنّما تصرفات العباد القبيحة فلا ملازمة حينئذ بين غيابه وسقوط الحدود عن الجناة .
الشبهة التاسعة [ إن القول بوجوب الإمامة لما فيها من المصلحة للأنام يتناقض مع ما يقوله الشيعة بأن مصلحة الإمام قبل الظهور الاستتار والاختفاء ] :
إن الشيعة الإمامية يناقضون أنفسهم من حيث اعتقادهم بوجوب الإمامة وقولهم بشمول المصلحة للأنام بوجود الإمام وظهوره وأمره ونهيه وتدبيره ، واستشهادهم على ذلك بحكم العادات في عموم المصالح بنظر السلطان العادل وتمكّنه من البلاد والعباد ، وفي نفس الوقت يقول الشيعة إن اللّه تعالى قد أباح للإمام الغيبة عن الخلق ، وسوّغ له الاستتار عنهم ، وأن ذلك هو المصلحة وصواب التدبير للعباد ، وهل هذا إلا التناقض الواضح الذي لا يقرّه العقل والدين ؟ .
والجواب : إن الشبهة المذكورة انطلت على المخالف واستولت عليه لبعده عن سبيل الاعتبار ووجود الصلاح وأسباب الفساد ، وذلك أن المصالح تختلف باختلاف الأحوال ، ولا تتفق مع تضادّها ، بل يتغير تدبير الحكماء في حسن النظر