عليه في الوصيّة وثبوت خطوطهم فيها - كالمعروف بتدبر مولى الواثق وعسكر الخادم مولى محمّد بن المأمون والفتح بن عبد ربّه وغيرهم من شهود قضاة سلطان الوقت وحكّامه - لما قصد بذلك من حراسة قومه ، وحفظ صدقاته ، وثبوت وصيته عند قاضي الزمان ، وإرادته مع ذلك الستر على ولده وإهمال ذكره ، والحراسة لمهجته بترك التنبيه على وجوده ، والكفّ لأعدائه بذلك عن الجدّ والاجتهاد في طلبه ، والتنزيه عن شيعته لما يشنّع به عليهم من اعتقاد وجوده وإمامته .
ومن اشتبه عليه الأمر فيما ذكرناه ، حتى ظن أنه دليل على بطلان مقال الإمامية في وجود ولد للحسن عليه السّلام مستور عن جمهور الأنام ، كان بعيدا عن الفهم والفطنة ، بائنا عن الذكاء والمعرفة ، عاجزا بالجهل عن التصوّر أحوال العقلاء وتدبيرهم في المصالح وما يعتمدونه في ذلك من صواب الرأي وبشاهد الحال ، ودليله من العرف والعادات .
وقد تظاهر الخبر فيما كان عن تدبير أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السّلام وحراسته ابنه موسى بن جعفر عليه السّلام بعد وفاته من ضرر يلحقه بوصيته إليه ، وأشاع الخبر عن الشيعة إذ ذاك باعتقاد إمامته من بعده ، والاعتماد في حجّتهم لذلك على إقراره بوصيته مع نصّه عليه بنقل خواصه ، فعدل عن إقراره بالوصية عند وفاته ، وجعلها إلى خمسة نفر : أولهم المنصور وقدّمه على جماعتهم إذ هو سلطان الوقت ومدبّر أهله ، ثم صاحبه الربيع من بعده ، ثم قاضي وقته ، ثم جاريته وأمّ ولده حميدة البربرية ، وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر عليه السّلام ، يستر أمره ويحرس بذلك نفسه ، ولم يذكر مع ولده موسى أحدا من أولاده ، لعلمه بأنّ منهم من يدّعي مقامه من بعده ، ويتعلق بإدخاله في وصيته . ولو لم يكن موسى عليه السّلام ظاهرا مشهورا في أولاده ، معروف المكان منه وصحة نسبه واشتهار فضله وعلمه وحكمته وامتثاله وكماله ، بل كان مثل ستر الحسن عليه السّلام ولده ، لما ذكره في وصيته ، ولاقتصر على ذكر غيره ممن سمّينا ، لكنه ختمهم في الذكر به كما بيناه .
وهذا شاهد لما وصفناه من غرض أبي محمّد عليه السّلام في وصيته إلى والدته
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد — صفحة 625
مساهمون: مقاتل ابن عطية
ص٦٢٥