أبي الحديد : « إنّ عمر بن الخطّاب هو أول من شيّد بيعة أبي بكر ووقم « 1 » المخالفين فيها فكسر سيف الزبير لمّا جرّده ، ودفع في صدر المقداد ، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة ، وقال : اقتلوا سعدا ، قتل اللّه سعدا ! وحطّم أنف الحباب بن المنذر الذي قال يوم السقيفة : أنا جذيلها « 2 » المحكّك ، وعذيقها المرجّب ، وتوعّد من لجأ إلى دار فاطمة عليهم السّلام من الهاشميين ، وأخرجهم منها ، ولو لاه لم يثبت لأبي بكر أمر ، ولا قامت له قائمة » « 3 » .
بعد هذا كله ، هل يصح أن يقال : ارتحل النبيّ الأعظم ولم يوص لأحد من بعده ، أو أنه أوكل اختيار الخليفة إلى عقول الناس المتضاربة ؟ ! !
ولو لم يوص - مع علمه المسبق بانشقاق الأمة من بعده وتضارب آرائها - لكذّبنا عقولنا وتفكيرنا ، لأن الإسلام جاء رحمة للعالمين ولينقذ الناس من الجاهلية والهمجية ، فدعوى أن النبيّ لم يوص ما هو إلّا اتهاما لهذا الرسول الكريم بعدم الكفاءة والجدارة .
ولو لم يكن محمّد نبيّا مرسلا يعلم عن وحي ويحكم بوحي ، فليكن - على الأقل - أعظم سياسي في العالم كله لا أعظم منه ، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأمة بل العالم بأسره مدى الدهر ؟ ! أو أنه عليه السّلام يعلم بهذا الاختلاف ولا يضع له حدّا فاصلا ؟ ! !
وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شؤون بلده فضلا عن أمة أن يتركها تحت رحمة الأهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود وهو قادر على إصلاحها ، أو التنويه عن إصلاحها إلّا أن يكون مسلوبا من كل رحمة وإنسانية ؟
هامش
( 1 ) وقم المخالفين : أي أذلّهم .
( 2 ) معنى « أنا جذيلها المحكّك . . . » هو أنني ذو رأي يشفى بالاستضاءة به كثير في مثل هذه الحالة ، وأنا في كثرة التجارب في هذه الحالة وأمثالها كالنخلة الكثيرة الحمل .
( 3 ) شرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 / 135 ، باب نبذة من أخبار عمر .