تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبكار الأفكار في أصول الدين — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
لا أسلم أن اللذة عبارة عن إدراك ما يلائم المزاج ؛ بل اللذة عبارة عن إدراك الملائم ، وهو أعم من إدراك ملائم المزاج . ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم ؛ ولهذا قالت الخصوم إن الله - تعالى - ملتذ بإدراك ما يلائم ذاته من كمالاته ، وإن لم يكن له مزاج ، وكذلك النفوس بعد مفارقة الأبدان تلتذ بما حصل لها من كمالاتها الممكنة لها ، وتتألم بمفارقة ما لكمالاتها . وإن لم تكن الأنفس ذات مزاج ؛ بل في الشاهد يجد كل عاقل من نفسه لذة الإيثار بالمطعومات المشتهاة الملائمة للمزاج ، المحبوبة ، حتى أن ذلك أيضا في الحيوانات العجماوات . وصرف الطعوم الملائم للمزاج إلى الغير ؛ لا يكون ملائما للمزاج وهو لذة . وإن سلمنا أن اللذة في الشاهد لا تتم دون المزاج ؛ ولكن لا يلزم من ذلك امتناعها في الغائب ؛ لامتناع المزاج في حقه ؛ لجواز أن تكون معلولة في الشاهد بملائمة المزاج ، ولا يلزم من انتفاء بعض العلل ، انتفاء المعلول . فالأقرب في ذلك : ما ذكره القاضي أبو بكر من أن الأمة ؛ بل العقلاء كافة متفقون على أن اتصاف الرب - تعالى - بشيء من هذه الكيفيات ليس من صفات المدح والكمال ، وأن الرب - تعالى - لا يتصف بما ليس من صفات المدح والكمال ؛ فلا يكون متصفا بشيء منها ؛ وقد عرف ما يتجه على الاحتجاج بالإجماع ، وما فيه في قاعدة النظر « 1 » . والّذي يخص قول الفلاسفة : أن اللذة إدراك الملائم ، والرب تعالى مدرك لما يلائم ذاته من كمالاته ؛ فحاصله يرجع إلى تفسير اللذة بالإدراك ، ونحن لا ننازع فيه من جهة المعنى ؛ بل من جهة الإطلاق اللفظي / ؛ إذ هو متوقف على ورود الشرع به ؛ ولا سبيل إلى إثباته . * * * * * *
هامش
( 1 ) راجع ما سبق في قاعدة النظر ل 25 / أو ما بعدها .