[ حجة أخرى لبعض الأصحاب ]
وقد تمسك بعض أصحابنا : في جواز التكليف بما لا يطاق بقوله - تعالى - :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
« 1 » . ووجه الاحتجاج به أنهم سألوا دفع التكليف بما لا يطاق ، ولو كان ذلك محالا في نفسه ؛ لكان مندفعا بنفسه من غير حاجة إلى السؤال في دفعه ؛ فحيث سألوا دفعه دل على كونه جائزا .
[ قد يرد عليها أسئلة ]
فإن قيل : لا نسلم أن الآية ظاهرة في سؤال « 2 » دفع « 2 » التكليف بالمحال ؛ فإنها إنما تكون ظاهرة فيه أن لو كان التكليف بالمحال ممكنا ؛ لأنه إذا لم يكن ممكنا ؛ فيكون مندفعا بنفسه كما ذكرتموه ولا حاجة إلى سؤال دفعه .
وعند ذلك : فيتوقف إمكان التكليف بالمحال على كون الآية ظاهرة فيه ، ويتوقف ظهورها فيه على كونه ممكنا ؛ وهو دور ممتنع .
سلمنا أنها ظاهرة في دفع التكليف بالمحال ؛ ولكن يحتمل أن يكون المراد إنما هو دفع ما فيه كلفة ، ومشقة على النفس . ولهذا يصح أن يقال لمن كلف عبده ما شق عليه مشقة مفضية إلى هلاكه ، كلفه ما لا طاقة له به . ويدل عليه أول الآية وهو قوله - تعالى - :
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
« 3 » والمراد بالإصر « 4 » : ما فيه ثقل ومشقة ، هكذا قال أهل اللغة .
سلمنا أن المراد به تكليف المحال ؛ ولكن ليس فيه ما يدل على جواز التكليف بالمحال ؛ إذ هو حكاية حال الداعين ، ولا حجة في قولهم ، ولو صرحوا بالجواز .
سلمنا صحة الاحتجاج بقولهم ؛ ولكن لا يخلو : إما أن يقولوا بأن كل تكليف تكليف بما لا يطاق ، أو بعض التكاليف ، دون البعض .
فإن كان الأول : فالسؤال يكون لدفع كل تكليف ، ولا فائدة في « 5 » التخصيص « 6 » بما لا يطاق .
وإن كان الثاني : فالتكليف : إما تكليف عاجز ، أو غير عاجز ، فما يطاق إما تكليف العاجز ، أو من ليس بعاجز .
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 / 286 .
( 2 ) في ب ( دفع سؤال ) .
( 3 ) سورة البقرة 2 / 286 .
( 4 ) في ب ( من الإصر ) .
( 5 ) في ب ( به ) .
( 6 ) في ب ( للتخصيص ) .