ومن هاتين الآيتين يتّضح معنى الرجس : فالخمرة تُذهب العقل ، والمقامرة تورث العداوة وتزرع الخسّة والدناءة ، وذهاب العقل يجعل النفس مرتعاً للرذائل ، وبالنتيجة تصاب الروح بالغفلة وتصبح وكراً لعبث الشيطان ، فيحرم الإنسان عن التكامل الروحي والسموّ الأخلاقي ، وقد اطلق على هذه الظواهر ( زوال العقل ونموّ الرذيلة ) في لغة القرآن « رجس » بلحاظ عامل بروزها ومنشأ ظهورها وهو الخمر والميسر و . . . ، باعتبار آثارها التي تتحقّق عند ممارستها وارتكابها ، ولذا جاء في ذيل الآية
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
أي أنّها تأتي بتحريض منه ، وأنّ غرضه من ذلك هو ما ذكرته الآية 91
أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ . .
، بناءً على ذلك فإنّ الرجس الحقيقي هو تلك النتائج المترتّبة على ارتكاب هاتيك الأفعال وما ينتظره الشيطان منها ! أمّا الآية الأخرى من سورة الأنعام فقد عبّرت عن ضيق الصدر وانقباض النفس ب « الرجس » إذ يقول تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
« 1 » ويلاحظ أنّ الآية عبّرت عن ضيق الصدر ب « الرجس » ، وأنزلته منزلة . إذن فالروح الكدرة بالمعاصي المضطربة بالآثام ، المنقبضة التي تعيق القذارات تنفّسها الصحيح ، كالمصابين بالربو وضيق
هامش
( 1 ) الأنعام : 125 .