السماء . وعاين « 1 » الفيل قد أهوى إلى بعض أصحابه بخرطومه ، فرمى به في الهواء قاب رمحين ، ثم تلقّاه بنابيه ، وأقبل على « 2 » الآخرين « 3 » يدوسهم بمنسميه ، ثم أنحى على الباب بمنكبيه ، فزعزعه بعضادتيه ، واقتلعه بضباب « 4 » الحديد عليه « 5 » ، فاستطار عند ذلك قلبه ، وجاش وارتاع روعه ، واضطره هول المقام ، وفزع الاصطلام إلى طلب الأمان ، واستغاثة السلطان ، فكفّ عنه يد الإحراج ، ووضع عنه سوط الانتقام ، كرما غذاه [ 117 ب ] الله بدرّه ، وأطربه بنشوة خمره .
وأقبل خلف بن أحمد على بذله الجائزة « 6 » ، حتى استؤذن له على السلطان ، فدخل وأهوى إلى الأرض بشيبته البيضاء ، متعززا بذلّ الخدمة . وغشّى البساط من سبح الجواهر والفرائد ، بما كسف النهار وخطف الأبصار ، نثارا ينوب عنه في شكر ما أذاقه من برد العفو والرحمة ، وحماه من حريم الروح والمهجة . فتكرّم السلطان بالرفع من قدره ، وضمّ يده عند التقريب إلى صدره ، تناسيا لما سبق من هناته ، وتغابيا عما أقدم من ذحوله وتراته ، وحكّمه في احتمال ما أحب من زبد « 7 » يساره « 8 » ، وذخائر حصاره ، وخيّره في المقام حيث شاء من ديار ممالكه وأمصاره . فاختار أرض الجوزجان ، استرواحا إلى نسيم هوائها ، واستعذابا لنمير مائها ، واتساعا في مراتع الصيود حول أرجائها . وأمر السلطان بتسييره إليها في هيئة ذوي الهيبة ، معافى بلباس « 9 » الصيانة عن عورة المهانة . فأقام بها قرابة أربع سنين في ظل الترفيه ، وساعدته القناعة بما هو فيه .
هامش
( 1 ) أي خلف بن أحمد .
( 2 ) ساقطة في ب .
( 3 ) وردت في ب : آخرين .
( 4 ) وردت في النسخ : ضبات . والضباب جمع ضبة وهي حديدة عريضة يضبب بها الباب . ابن منظور - لسان العرب ، مج 1 ، ص 541 ( ضبب ) .
( 5 ) إضافة من ب .
( 6 ) الجائزة : العطية . والمقصود هنا الرشوة .
( 7 ) وردت في ب : زند .
( 8 ) زبد يساره : يقصد خيراته .
( 9 ) وردت في ب : بلسان .