فيسقى أرضكم غيثا مسيحا * فقد أصحت بلادكم خرابا
وقد خلفتم عادا جميعا * سغابا ما يسيغون الشّرابا
فأنت عماد قومك يا ابن عمرو * وبحر نداك ينسكب انسكابا
نمتك إلى المكارم والمعالي * ملوك خير من وطئ التّرابا
فما هذا التهاون عن مقاوم * يرجىّ قومك ان تجابا
فلما غنّتهم القينتان بهذه الأبيات ، ارتاعوا لها . فقال مرثد بن سعد وكان أحد الرجلين المؤمنين ، لقيل - ايّها الملك ، انّك قد قدّمت في امر ، فتركت ما قدمت له ، ولهوت عما تركت عليه قومك ، وأقبلت على هذا الشراب وغناء هاتين القينتين . ولو آمنت بالله ، عزّ وجل ، وقبلت ما اتاك به هود نبيّه ، لا تاك اللّه ، الغيث « 1 » حيث كنت ، من غير أن تقّدم إلى هذا الموضع . فلما سمع الملك ذلك ؛ استشاط غضبا على مرثد ابن سعد ؛ وقال : لا أراك هاهنا ، اخرج عنّي ، لا امّ لك ، قبل ان اضرب عنقك . فخرج مرثد من عنده ، واتبعه صاحبه المومن ، وهو لقمان بن هزال ؛ فاقبلا حتى اتيا موضع الكعبة . فأقاما . فابتهلا ، وبدا مرثد فرفع يده إلى السماء فقال :
يا رب يا رب الجواد الماجد * الاحد الفرد العليّ الواحد
انّ ابن عمرو قد اتاك طالبا * مستسقيا لقومه إليك راغبا
مع عصبة كافرة جحاد * فردّ هم يا رازق العباد
فيرجعوا يا رب خائبينا * أو يصبحوا بالغيث مؤنسينا
ويخلعوا الأنداد والاصناما * ويجعلوا بينهم اماما
ثم جلس ، فقام لقمان ، فرفع يده إلى السماء وهو يقول :
يا رب انّى مؤمن مصدّق * وأنت ربّى للهدى موفّق
فمنّ يا ربّ علينا منّا * فلن يشوب الجود منك ضنّا
لقمان سبع بسنون يبقى * دهرا طويلا لا يفوت يسقا
حتى أكون في الأنام مثلا * ولا أبالي بعد ذاك الاجلا
هامش
( 1 ) . الصحيح : بالغيث