فخرجا جميعا . حتى قدما الحيرة ، فدخلا على النعمان فدفعا اليه الكتاب . فقال بالعربية :
اما في عين السواد وفارس ما يغني الملك عن نساء العرب السود الألوان الحمش السوق « 1 » . فقال الخصيّ لزيد : ما يقول ؟ قال له زيد : يقول اما في بقر فارس والسواد ما يغنى الملك عن العربيات السود الألوان الحمش السوق . وانما أراد النعمان حين قال اما في عين فارس والسواد ما يغني الملك عن بقر الوحش . فغير زيد لفظه في ترجمته للخصى . فخرج الخصي مغضبا من ذلك ، وخرج زيد معه ، حتى قدما المدائن ، ودخلا على كسرى ، فأخبره الخصي بما كان من مردود كلام النعمان . فقالا له : أيها الملك ان الكلب الذي قد بعثتنا اليه قد سمن وتعدّى طوره ، ولا ينبغي للملك ان يغضى عنه . فوقع ذلك في قلب كسرى ، وغضب منه . فدعا اياس بن قبيصة الطائي الذي كان كسرى نزل عليه عند هربه من بهرام جوبين إلى ارض الروم ، وكان ذبح له الكباش وحمله وأصحابه على النجائب ، حتى أوصله إلى العمران ، فحفظ كسرى ذلك . فلما رجع اليه ملكه ؛ بعث إلى اياس ، فأتاه ، فجعله قائدا على أربعة آلاف فارس من العرب من طي وبهرا والعباد واياد ، وأسنى له الرزق . فولاه عند ذلك كسرى مكان النعمان ، وامره ان يكبل النعمان بالحديد ، ويبعث به اليه . فاستودع النعمان أهله وولده وحريقة ابنته وخيله وسلاحه عند هانى بن مسعود بن ربيعة بن شيبان ، وهو الذي يعرف بالمزدلف . ثم خرج هاربا من الحيرة حتى اتى حىّ طىّ .
فاجتمع اليه عظماؤهم . وقالوا : ايّها الرجل ، انّا لا نأمن ان يغزونا كسرى بالجيوش ، فأخرج عنّا غير مطهود « 2 » . فخرج من عنده ، وأتى عبس ، فكرهوه . وعزم على الانتقال من عندهم خوفا من كسرى ، وقد كان اخرج « 3 » معه المتجرّدة التي كان يشّبب بها النابغة ، فقالت له والله لا الموت خير مما أنت فيه ، فامض إلى الملك ، واعتذر اليه . فانّه سيصفح عن زلتك .
فأقبل منصرفا ، حتّى وافا المدائن ، فأستقبله زيد بن عدي فقال له : يا بن اللّخناء لئن بقيت ، لا لحقنك بأبيك . فقال زيد : ما « 4 » والله لقد بنيت عند الملك بيتا لا تخرج منه ابدا . ثم دخل على كسرى ، فقال أيها الملك : ان هذا الغلام ، يعنى زيد بن عدي ترجم للخصى جواب كلامي مما كتبت به الىّ على التحريف . فاستبقنى ودخل زيد بن عدي في أثره ، فقال ان هذا العبد إذا جلس على سريره ، ووضع التاج على رأسه ، ودعا بشرابه ؛ لم يظنّ ان لك عليه سلطان . وفهم ذلك كسرى ، فحّداه على قتله ، فأمر فألقى في البيت الذي تكون فيه
هامش
( 1 ) . في الأغاني : 2 / 16 ؛ اما في مها السّواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته ؟
( 2 ) . النهاية : مطرود .
( 3 ) . النهاية : خرج .
( 4 ) . الصحيح : اما