فلما قدموا على سابور ، امر فخيّرت لهم الحيرة ، فأسكنهم فيها ، وملكّهم على ما حولها من ارضه . وفوّض إلى جذيمة جميع من كان بالقرب من ارض العرب ، فلم يزل جذيمة بن عمرو ملكا بالحيرة ، ومعه عدىّ بن ربيعة . فلما أدرك عدىّ وبلغ مبلغ الرجال ، وزوّجه جذيمة أخته رقاش ؛ فولدت له عمرو بن عدي الذي يضرب به المثل « كبر عمرو عن الطوق « 1 » » . وهو الذي استطارته الجنّ ، فكان من أبناء تسع سنين .
حديث عمرو بن عدي ذي الطوق .
وكان من حديثه انّه لما أتى عليه تسع سنين ، خرج ليلا من فراشه عريانا ، فاستطارته الجن ، ففقده خاله جذيمة بن عمرو فلم يقع على اثره . فوجه في طلبه رجالا في كل ناحية ، وجعل لمن اتاه به حكمة . ونذرت امّه رقاش انه ان يردّه الله إليها ان تطوّقه بطوق من ذهب . فمكث جذيمة سبع سنين لا يحّس أثرا ولا وقع له . ثم انّ رجلين من قضاعة وفدا إلى جذيمة في حوائج لقومهما . فنزلا في بعض الطريق ، ومعهما خادمة لهما ، تسمى أم عروة ، فقدمت اليهما طعاما ؛ فإذا هما بفتى حديث السن جميل المنظر عريان لا يتوارى بشئ ، وقد طال شعره على وجهه ، وطالت أظفاره ، حتى صارت كالمنجل . فدنا منهما ، وهما يأكلان ، فجعلت الخادمة تسقيمهما ، ولا تسقى الفتى ؛ فأنشأ الفتى يقول هذه الأبيات :
صددت الكأس عنّا امّ عمرو * كانّ الكاس مجراها اليمينا « 2 »
وما شرّ الثلاثة « 3 » امر عمرو * بصاحبك التي لا تصحبينا
لعلك بعد بخلك أم عمرو * وتغليط المقالة ترعوينا
فلما سمعا كلامه ، علما انه عمرو بن عدي ابن أخت الملك الذي هما وافدان اليه ، وكان بلغهما قصته ، وما جعل جذيمة لمن أتاه به ، وما نذرت امّه من تطويقه . فبالحال وقعوا عليه وكسوه بأحسن ما كان عليهم من الملبوس « 4 » . فجزآ شعره ، وقلما أظفاره ، وألبساه « 5 » من خير ثيابهما . وقالوا : نعم التوفيق ، قد وفقه الله لنا بهذا « 6 » ثم أقبلا به حتى ادخلا به على جذيمة فلما رآه ؛ فرح فرحا شديدا ، وقال للقضاعيين قد جعلت لمن أتاني به حكمة عليه
هامش
( 1 ) . النهاية : شبّ عمرو عن الطوق ، تاريخ : كبر عمر بن الطوق
( 2 ) . في مروج الذهب : 2 / 68 وكان الكأس مجراها اليمينا
( 3 ) . تاريخ : شرب الثلاثة يا
( 4 ) . تاريخ : « فبالحال . . . الملبوس »
( 5 ) . تاريخ : وأكسياه من أحسن
( 6 ) . تاريخ : « وقالوا . . . بهذا » .