الدولة خواصّ أصحابه ليحضروه إلى بغداذ ليتولّى الخلافة ، فانحدروا إليه ، وشغب الديلم ببغداذ ، ومنعوا من الخطبة ، فقيل على المنبر : اللَّهمّ أصلح عبدك وخليفتك القادر باللَّه ، ولم يذكروا اسمه ، وأرضاهم بهاء الدولة .
ولمّا وصل الرسل إلى القادر باللَّه كان تلك الساعة يحكي مناما رآه تلك الليلة ، وهو ما حكاه هبة اللَّه بن عيسى كاتب مهذّب الدولة قال : كنت أحضر عند القادر باللَّه كلّ أسبوع مرّتين ، فكان يكرمني ، فدخلت عليه يوما فوجدته قد تأهّب تأهّبا لم تجر به عادته ، ولم أر منه ما ألفته من إكرامه ، واختلفت بي الظنون ، فسألته عن سبب ذلك ، فإن كان لزلّة منّي اعتذرت عن نفسي .
فقال : بل رأيت البارحة في منامي كأنّ نهركم هذا ، نهر الصليق ، قد اتّسع ، فصار مثل دجلة ، دفعات ، فسرت على حافّته متعجّبا منه ، ورأيت قنطرة عظيمة ، فقلت : من قد حدّث نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم ؟
ثم صعدتها ، وهي محكمة ، فبينا أنا عليها أتعجّب منها إذ رأيت شخصا قد تأمّلني من ذلك الجانب ، فقال : أتريد أن تعبر ؟ قلت : نعم ، فمدّ يده حتّى وصلت إليّ ، فأخذني وعبّرني ، فهالني وتعاظمني فعله ، قلت :
من أنت ؟ قال : عليّ بن أبي طالب ، وهذا الأمر صائر إليك ، ويطول عمرك فيه ، فأحسن إلى ولدي وشيعتي .
فما انتهى القادر إلى هذا القول حتّى سمعنا صياح الملّاحين وغيرهم ، وسألنا عن ذلك ، وإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولّى الخلافة ، فخاطبته بإمرة المؤمنين وبايعته ، وقام مهذّب الدولة بخدمته أحسن قيام ، وحمل إليه من المال وغيره ما يحمله كبار الملوك للخلفاء وشيّعه . فسار القادر باللَّه إلى بغداذ ، فلمّا دخل جبّل انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس لاستقباله ، وساروا في خدمته ، فدخل دار الخلافة ثاني عشر رمضان ، وبايعه بهاء الدولة والناس ، وخطب له ثالث عشر رمضان ، وجدّد أمر الخلافة ، وعظّم ناموسها ، وسيرد من
الكامل في التاريخ — صفحة 81
مساهمون: ابن الأثير
ص٨١