ذكر شغب الأتراك ببغداذ على جلال الدولة
في هذه السنة ثار الأتراك ببغداذ على جلال الدولة ، وشغبوا ، وطالبوا الوزير أبا عليّ بن ماكولا بما لهم من العلوفة « 1 » والإدرار ، ونهبوا داره ودور كتّاب الملك وحواشيه حتّى المغنّين والمخنّثين ، ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتضرب « 2 » دنانير ودراهم ، وتفرّق فيهم ، وحصروا جلال الدولة في داره ، ومنعوه الطعام والماء حتّى شرب أهله ماء البئر ، وأكلوا ثمرة البستان .
فسألهم أن يمكّنوه من الانحدار ، فاستأجروا [ 1 ] له ولأهله وأثقاله سفنا ، فجعل بين الدار والسفن سرادقا لتجتاز حرمه فيه ، لئلّا يراهم العامّة والأجناد ، فقصد بعض الأتراك السرادق ، فظنّ جلال الدولة أنّهم يريدون الحرم ، فصاح بهم يقول لهم : بلغ أمركم إلى الحرم ! وتقدّم إليهم ، وبيده طبر ، فصاح صغار الغلمان والعامّة : جلال الدولة يا منصور ، ونزل أحدهم عن فرسه وأركبه إيّاه ، وقبّلوا الأرض بين يديه .
فلمّا رأى قوّاد الأتراك ذلك هربوا إلى خيامهم بالرملة ، وخافوا على نفوسهم ، وكان في الخزانة سلاح كثير ، فأعطاه جلال الدولة أصاغر الغلمان وجعلهم عنده ، ثم أرسل إلى الخليفة ليصلح الأمر مع أولئك القوّاد ، فأرسل إليهم الخليفة القادر باللَّه ، فأصلح بينهم وبين جلال الدولة ، وحلفوا ، فقبّلوا الأرض بين يديه ، ورجعوا إلى منازلهم ، فلم يمض غير أيّام حتّى عادوا إلى الشغب ، فباع جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه وفرّق ثمنه فيهم حتّى سكنوا .
هامش
[ 1 ] فاستجاروا .
( 1 ) . المعلوم .A( 2 ) . ليضرب .A.