أعطانا ، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره ، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيّته ما لو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا في قتله وعنفنا في إمهالنا ، وما زال ينقض بيعته ويخفر [ 1 ] ذمّته حتّى أحلّ لنا عقوبته وأباحنا دمه ، فحكمنا فيه حكمه لنا في غيره [ ممّن شقّ العصا ] ، ولم يمنعنا الحقّ له من إمضاء الحقّ فيه ، وما أحسن ما قال النابغة الذبيانيّ للنعمان :
فمن أطاعك فانفعه بطاعته * كما أطاعك وادلله على الرّشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة * تنهى الظّلوم ولا تقعد [ 2 ] على ضمد [ 3 ]
ثمّ نزل .
وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة ، وأبي الزبير المكّيّ ، وثابت البنانيّ [ 4 ] ، ومحمّد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عبّاس ، والسدير ، وروى عنه إبراهيم ابن ميمون الصائغ ، وعبد اللَّه بن المبارك ، وغيرهما .
خطب يوما فقام إليه رجل فقال : ما هذا السواد الّذي أرى عليك ؟ فقال :
حدّثني أبو الزبير عن جابر بن عبد اللَّه أنّ النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، دخل مكّة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء ، وهذه ثياب الهيبة وثياب الدولة ، يا غلام اضرب عنقه .
قيل لعبد اللَّه بن المبارك : أبو مسلم كان خيرا أو الحجّاج ؟ قال : لا أقول إنّ أبا مسلم كان خيرا من أحد ، ولكنّ الحجّاج كان شرّا منه .
وكان أبو مسلم نازكا شجاعا ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ومروءة ، وقيل
هامش
[ 1 ] ويحقر .
[ 2 ] تقصد .
[ 3 ] صمد .
[ 4 ] التباني .