وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الفضاض فقتلوهم ، وكانت المقتلة بقريش ، وفيهم كانت الشوكة ، فأصيب منهم عدد كثير ، وقدم المنهزمون المدينة فكانت المرأة تقيم النوائح على حميمها ومعها النساء ، فما تبرح النساء حتّى تأتيهن الأخبار عن رجالهنّ فيخرجن امرأة امرأة كلّ واحدة منهنّ تذهب لقتل رجلها فلا تبقى عندها امرأة لكثرة من قتل .
وقيل : إنّ خزاعة دلّت أبا حمزة على أصحاب قديد ، وقيل : كان عدّة القتلى سبعمائة .
ذكر دخول أبي حمزة المدينة
وفي هذه السنة دخل أبو حمزة المدينة ثالث عشر صفر ، ومضى عبد الواحد منها إلى الشام ، وكان أبو حمزة قد أعذر إليهم وقال لهم : ما لنا بقتالكم حاجة ، دعونا نمض إلى عدوّنا . فأبى أهل المدينة ، فلقيهم فقتل منهم خلقا كثيرا ، ودخل المدينة فرقي المنبر وخطبهم وقال لهم :
يا أهل المدينة ! مررت زمان الأحول ، يعني هشام بن عبد الملك ، وقد أصاب ثماركم عاهة فكتبتم إليه تسألونه أن يضع عنكم خراجكم ففعل ، فزاد الغنيّ غنى والفقير فقرا ، فقلتم له : جزاك اللَّه خيرا ، فلا جزاكم اللَّه خيرا ولا جزاه خيرا ! واعلموا يا أهل المدينة أنّا لم نخرج من ديارنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منّا ، ولكنّا لمّا رأينا مصابيح الحقّ قد عطّلت ، وعنّف القائل بالحقّ ، وقتل القائم بالقسط ، ضاقت علينا الأرض بما رحبت ، وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن ، فأجبنا داعي اللَّه ،
وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي