وكرهوا أن يكذّبوا أنفسهم . قالوا : وما قولكم في عبد الملك ؟ قالوا : خليفتنا .
ولم يجدوا بدّا [ 1 ] إذا بايعوه أن يقولوا ذلك . قالوا : يا أعداء اللَّه ! أنتم بالأمس تبرءون منه في الدنيا والآخرة وهو اليوم إمامكم وقد قتل أميركم الّذي كنتم تولّونه ! فأيّهما المهتدي وأيّهما المبطل ؟ قالوا : يا أعداء اللَّه رضينا بذلك إذ كان يتولّى أمرنا ونرتضي [ 2 ] بهذا . قالوا : لا واللَّه ولكنّكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا .
وأمّا عبد اللَّه بن الزّبير فلمّا انتهى إليه قتل أخيه مصعب قام في الناس فخطبهم فقال :
الحمد للَّه الّذي له الخلق والأمر ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، ألا وإنّه لم يذلّل اللَّه من كان الحقّ معه وإن كان فردا ، ولم يعزّز من كان وليّه الشيطان وإن كان الناس معه طرّا ، ألا وإنّه قد أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا ، أتانا قتل مصعب ، رحمه اللَّه ، وأمّا الّذي أفرحنا فعلمنا أنّ قتله شهادة ، وأمّا الّذي أحزننا فإنّ لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة يرعوي بعدها ذوو الرأي الجميل إلى الصبر وكريم العزاء ، وما مصعب إلّا عبد من عبيد اللَّه وعون من أعواني ، ألا وإنّ أهل العراق أهل الغدر والنفاق أسلموه وباعوه بأقلّ الثمن ، فإن يقتل [ 3 ] فمه ! واللَّه ما نموت على مضاجعنا كما يموت بنو أبي العاص ! واللَّه ما قتل رجل منهم في زحف في الجاهليّة ولا في الإسلام ، ولا نموت إلّا قعصا بالرماح وتحت ظلال السيوف ، ألا إنّما الدنيا عاريّة من الملك الأعلى الّذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه ، فإن تقبل لا آخذها أخذ البطر ، وإن تدبر لم أبك
هامش
[ 1 ] أبدا .
[ 2 ] ويرتضي .
[ 3 ] يقبل .