وكان آخر من دخل السفينة الحمار ، فلمّا دخل صدره تعلّق إبليس بذنبه فلم ترتفع رجلاه ، فجعل نوح يأمره بالدخول فلا يستطيع حتى قال : ادخل وإن كان الشيطان معك . فقال كلمة زلّت على لسانه ، فلمّا قالها دخل الشيطان معه ، فقال له نوح : ما أدخلك يا عدوّ اللَّه ؟ فقال : ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك ؟ فتركه . ولما أمر نوح بإدخال الحيوان السفينة قال : أي ربّ كيف أصنع بالأسد والبقرة ؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب والطير والهرّ ؟
قال : الّذي ألقى بينها العداوة هو يؤلّف بينها . فألقى الحمّى على الأسد وشغله بنفسه ، ولذلك قيل :
وما الكلب محموما وإن طال عمره * ولكنّما الحمّى على الأسد الورد
وجعل نوح الطير في الطبق الأسفل من السفينة ، وجعل الوحش في الطبق الأوسط ، وركب هو ومن معه من بني آدم في الطبق الأعلى . فلمّا اطمأنّ نوح في الفلك وأدخل فيه كلّ من أمر به ، وكان ذلك بعد ستّمائة سنة من عمره في قول بعضهم ، وفي قول بعضهم ما ذكرناه ، وحمل معه من حمل ، جاء الماء كما قال اللَّه تعالى :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
« 1 » . فكان بين أن أرسل الماء وبين أن احتمل [ 1 ] الماء الفلك أربعون يوما وأربعون ليلة ، وكثر واشتدّ وارتفع وطمى ، وغطى نوح عليه وعلى من معه طبق السفينة ، وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال ، ونادى نوح ابنه الّذي هلك ،
هامش
[ 1 ] يحتمل .
( 1 ) . 12 ، 11 .vss، 54 .cor