فقال : ارجع إلى أهلك وأحسن إليهم . فقام الملك من عنده فلبث أيّاما ، ونزل بختنصّر على بيت المقدس بأكثر من الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل وقال ملكهم لأرميا : أين ما وعدك ربّك ؟ فقال : إنّي بربّي واثق .
ثمّ إنّ الملك الّذي أرسله اللَّه يستفتي إرميا عاد إليه وهو قاعد على جدار بيت المقدس فقال مثل قوله الأوّل وشكا أهله وجورهم وقال له : يا نبيّ اللَّه كلّ شيء كنت أصبر عليه قبل اليوم لأنّ ذلك كان فيه سخطي ، وقد رأيتهم اليوم على عمل عظيم من سخط اللَّه تعالى ، فلو كانوا على ما كانوا عليه اليوم لم يشتدّ عليهم غضبي ، وإنّما غضبت اليوم للَّه وأتيتك لأخبرك خبرهم ، وإنّي أسألك باللَّه الّذي بعثك بالحقّ إلا ما دعوت اللَّه عليهم أن يهلكوا . فقال إرميا : يا ملك السماوات والأرض إن كانوا على حقّ وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم . فلمّا خرجت الكلمة من فيه أرسل اللَّه صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها .
فلمّا رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال :
يا ملك السماوات والأرض ، يا أرحم الراحمين ! أين ميعادك ، أيا ربّ ، الّذي وعدتني به ؟ فأوحى اللَّه إليه أنّه لم يصبهم ما أصابهم إلّا بفتياك التي أفتيت رسولنا ، فاستيقن أنّها فتياه وأنّ السائل كان من عند اللَّه ، وخرج إرميا حتى خالط الوحش ، ودخل بختنصّر وجنوده بيت المقدس ، فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، وخرّب بيت المقدس وأمر جنوده ، فحملوا التراب وألقوه فيه حتى ملئوه ، ثمّ انصرف راجعا إلى بابل وأخذ معه سبايا بني إسرائيل ، وأمرهم ، فجمعوا من كان في بيت المقدس كلّهم ، فاجتمعوا واختار منهم مائة ألف صبيّ فقسمهم على الملوك والقوّاد الذين كانوا معه ، وكان من أولئك الغلمان دانيال النبيّ وحنانيا وعزاريا وميشائيل ، وقسّم بني
الكامل في التاريخ — صفحة 265
مساهمون: ابن الأثير
ص٢٦٥