وأصلحت القلم ، وقلت : هذا أوان الشدّ فاشتدي زيم ، وجعلت الفراغ أهم مطلب ، وإذا أراد اللَّه أمرا هيّأ له السبب ، وشرعت في إتمامه مسابقا ، ومن العجب أن السكّيت يروم أن يجيء سابقا ، ونصبت نفسي غرضا [ 1 ] للسهام ، وجعلتها مظنّة لأقوال اللوّام ، لأن المآخذ إذا كانت تتطرّق إلى التصنيف المهذّب ، والاستدراكات تتعلّق بالمجموع المرتّب ، الّذي تكرّرت مطالعته وتنقيحه ، وأجيد تأليفه وتصحيحه ، فهي بغيره أولى ، وبه أحرى ، على أنّي مقرّ بالتقصير ، فلا أقول إن الغلط سهو جرى به القلم ، بل أعترف بأن ما أجهل أكثر ممّا أعلم .
وقد سمّيته اسما يناسب معناه ، وهو : الكامل في التاريخ .
ولقد رأيت جماعة ممّن يدّعي المعرفة والدراية ، ويظنّ بنفسه التبحّر في العلم والرواية ، يحتقر التواريخ ويزدريها ، ويعرض عنها ويلغيها ، ظنّا منه أن غاية « 1 » فائدتها إنّما هو القصص والأخبار ، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار ، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللبّ نظره ، وأصبح مخشلبا [ 2 ] جوهره ، ومن رزقه اللَّه طبعا سليما ، وهداه صراطا مستقيما ، علم أنّ فوائدها كثيرة ، ومنافعها الدنيويّة والأخرويّة جمّة غزيرة ، وها نحن نذكر شيئا ممّا ظهر لنا فيها ، ونكل إلى قريحة الناظر فيه معرفة باقيها .
فأمّا فوائدها الدنيويّة فمنها : أنّ الإنسان لا يخفى « 2 » أنّه يحبّ البقاء ، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء ، فيا ليت شعري ! أيّ فرق بين ما رآه أمس أو
هامش
[ 1 ] عرضا .
[ 2 ] ( المخشلب : خرز يتخذ منه حلى ، واحدته مخشلبة - المخصص لابن سيده ) .
( 1 ) . انه غاية
( 2 ) . لا خفاء به .A . B . etS