بقوله : غفر اللّه لك يا عثمان ! ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة « 1 » ، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها !
وإنّي أرى الأنجح للمدّعي أن يسحب كلامه ويقول : لا أعلم بشيء من ذلك ، ولا أثبت شيئا منه ، وإنّما اختلقه الغلوّ في الفضائل .
ولعلّ الباحث يقف على ما جاء به البيضاوي والزمخشري ، فيقع ذلك منه موقعا حسنا ويطالبني المخرج منه .
فقد ذكر البيضاوي في تفسيره « 2 » ، والزمخشري في الكشّاف « 3 » : « أنّ قوله تعالى :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . .
« 4 » نزلت في أبي بكر حين تصدّق بأربعين ألف دينار ؛ عشرة بالليل ، وعشرة بالنهار ، وعشرة بالسرّ ، وعشرة بالعلانية » .
هذه المرسلة الّتي لم أعرف قائلها من الصحابة والتابعين ، ولم أقف على عزوها إلى أحد من السلف في كتب القوم إلّا سعيد بن المسيّب المعروف بانحرافه عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام ، اختلقتها يد الوضع تجاه ما أخرجه الحفّاظ من نزولها في عليّ أمير المؤمنين ، ومنحت فيها لأبي بكر أربعين ألف دينار لتقريب نزول الآية فيمن أنفق كمّيّة كبيرة كهذه إلى فهم بسطاء الامّة دون منفق أربعة دراهم ، ذاهلا عمّا هو المتسالم عليه عند القوم من أخذ أبي بكر يوم هجرته إلى المدينة أربعة أو خمسة أو ستّة آلاف درهم ، وهي جميع ما كان يملكه .
والآية المذكورة في سورة البقرة ، وقد أصفقت أئمّة الحديث والتفسير على نزولها بالمدينة في أوليات الهجرة « 5 » ؛ قال ابن كثير في تفسيره : « هكذا قال غير
هامش
( 1 ) - هذه الجملة توهن متن الرواية ، وتعرب عن أنّها مكذوبة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .
( 2 ) - تفسير البيضاوي 1 : 185 [ 1 / 141 ] .
( 3 ) - الكشّاف 1 : 286 [ 1 / 319 ] .
( 4 ) - البقرة : 274 .
( 5 ) - تفسير القرطبي 1 : 132 [ 1 / 107 ] ؛ تفسير ابن كثير 1 : 35 ؛ تفسير الخازن 1 : 91 [ 1 / 19 ] .