تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطراز الأول والكناز لما عليه من لغة العرب المعول — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
عَبَدَهُ ؛ لأَنُّهُ جمادٌ لا يَقدِرُ على ضَرٍّ أَو نَفْعٍ ، وإنَّما أَثبَتَ لهُ الضَّرَّ في قولِهِ :
« لَمَنْ ضَرُّهُ
أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ » بطريقِ المَجَازِ لكَونِهِ سبباً لَهُ ؛ إِذ كانَتْ عبادَتُهُ توجِبُ القتلَ في الدُّنيا والعذابَ في الآخرةِ ، وأَثبَتَ لَهُ النَّفعَ بناءً على مُعتَقَدِ داعيِهِ في تَرَقُّبِهِ النَّفعَ منهُ ، وكَلِمَةُ « مِنْ » وصيغةُ التَّفضيلِ للتَّهكُّم بهِ . وفي الآيةِ أَوجهٌ عَدِيدةٌ والمُختارُ ما ذَكَرنَاهُ .
« وَلا يُضَارَّ
كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ » « 1 » أَصلُهُ يُضَارِرْ - بكسرِ الرّاءِ الأولى - فيكونُ مبنيّاً للفَاعِلِ ، وبهِ قرأ عَمرُو « 2 » وعليهِ أَكثرُ المُفسِّرينَ ، وهو نهيٌ للكاتبِ والشَّاهدِ عنِ المُضَارَّة بأَنْ لا يَجِيئا إلى ما يُطلَبُ منهُما من الكتابةِ والشَّهادةِ ، وأَن يُخرِّفا ويَزيدا ويَنْقُصَا فِيهَما ، وأَن لا يَكتُبَ الكاتبُ بما لم يُمَلَّ عَليهِ ويَشهدَ الشّاهدُ بما لم يُسْتَشْهَدْ فيهِ ، أَو بفَتحِها فيكونُ مبنيّاً للمفعُولِ ، وبهِ قرأ ابنُ عبّاسٍ وعليهِ ابنُ مسعودٍ ومجاهدٌ « 3 » ، وهو نهيٌ عن المُضَارَّةِ بهما ؛ بأن يُشْغلا عن كَسبِهما ومعاشِهِما ، ويُمنَعَ الكاتبُ جُعْلَهُ والشّاهِدُ مُؤونَةَ مجيئِهِ من مسافة ، وغيرُ ذلكَ ممَّا يضرُّ بهِمَا .
« الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً
» « 4 » لأَجلِ مُضَارَّةِ المُؤْمنينَ . قيل : إِنَّهم قَصَدُوا قتلَهُم فيهِ بعدَ سَدِّ أَبوابهِ .
« أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
» « 5 » هو ما مَسَّهُ بهِ الشَّيطانُ من نُصْبٍ ؛ لقولِهِ :
« أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ »
« 6 » ، أَو ما ابتَلاهُ اللَّهُ بهِ من هَلاكِ أَولادِهِ بهَدْمِ بيتٍ عليهم وذَهابِ أَولادِهِ والمَرضِ في بدنِهِ ثلاثَ عشرَ سنةً أَو أَكثرَ أَو أَقلَّ ، أَو ما بلغَ بهِ من شِدَّةِ المَرضِ وجهدِ البَلاءِ حتَّى بَقيَ طريحاً على الكُناسَةِ لا يَحُومُ حولَهُ أَحدٌ من النَّاسِ .
هامش
( 1 ) البقرة : 282 . و ( 3 ) انظر إعراب القرآن للنحّاس 1 : 182 ، وتفسير البحر المحيط 1 : 354 . ( 4 ) التّوبة : 107 . ( 5 ) الأنبياء : 83 . ( 6 ) سورة ص : 41 .