فإِن قيل : استثناءُ المودَّةِ من الأَجر يدلُّ على طَلَبِ الأَجرِ على التّبليغ وهو غيرُ جائزٍ كما جاءَ في قصصِ سائرِ الأَنبياءِ ولا سيَّما في الشّعراءِ ، وقد جاء في حقِّ نبيَّنا أَيضاً :
قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
« 1 »
قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ
« 2 » ، ثمَّ إِنَّ التّبليغ واجبٌ عليه ، وطلبُ الأَجر على الواجب « 3 » ينافي المُرؤَوةَ مع ما فيه من إِيجاب التّهمة ونقصان الشّأْن .
قلنا : إِن كانت الآية منسوخةً باللَّتَين لا استثناءَ فيهما فلا إِشكال ، وإِلَّا فالاستثناءُ إِما منقطعٌ ، أَي
لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً
أَلبتَّةَ ولكن أُذكِّركم المودَّةَ في القربى ، أَو متَّصلٌ لكنَّه من باب تأكيد المدح بما يشبهُ الذَّمَّ ، كقولِه « 4 » :
وَلَا عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ * بِهِنَّ فُلُولٌ من قِرَاعِ الكَتَائِبِ
والمعنى : لا أَطلبُ منكم أَجراً إِلّا هذا ، وهو ليس أَجراً حقيقةً ؛ لأَنَّهُ أَمرٌ واجبٌ في نفسه لوجوب المُوادَّة بين المسلمين ولا سيَّما في حقِّ الأَقاربِ ، كما في قوله :
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
« 5 » .
ومعنى المودَّة في القُرْبى ؛ قيل : أَن تَودُّوني في قَرَابَتي منكم ، وقيل : الحثُّ على مودَّة المخاطبين لأَقَارِبِهمْ وصِلَةِ أَرحامِهِم ، وقيل : أَن تَتَوَدَّدوا إِلى اللَّه وتَتَقَرَّبوا إِليه بالطَّاعة والعمل الصّالح ، وقيل : أَن يَوَدُّوا أَهل بيتِهِ عليهِم السَّلام ؛
روى سعيدُ بنُ جُبَيْر : ( لمَّا نَزَلَتْ هذه الآية قالوا : يا رسول اللَّه من هؤلاء الّذين وَجَبَتْ علينا مَوَدَّتُهُم لِقَرَابَتِك ؟ ، فقال :
هامش
( 1 ) ص : 86 .
( 2 ) سبأ : 47 .
( 3 ) في « ت » : « الأجر » بدل « الواجب » ، والمثبت عن « ج » و « ش » .
( 4 ) النّابغة الذّبيانيّ ، كما في ديوانه : 51 .
( 5 ) الرّعد : 21 .