كذا المعرفة المنغمرة في الأهواء والمنى والجهالات الدّاعية إلى الشرّ والفساد لا يكون معرفةً ، ولا يكون صاحبها على هذا النحو سالكاً طريق النجاة ، بل الحالة المركّبة من جميع هذه الأمور أقوى في الإيصال إلى الضلال والهلاك .
« إلّا أنّ الإيمان بعضه من بعض » أي بعضٌ ممّا اعتبر فيه - وهو العمل المعتبر في أصله ، أو العمل المعتبر في كماله - نشأ من بعض ، وهو المعرفة الدالّة عليه ؛ فإنّ المعرفة التي هي مناط الإيمان أقلّ مراتبها يدلّ على أقلّ مراتب العمل ، وهو الإقرار والقول بها ؛ وأكملها يدلّ على أكمل مراتب العمل ، وهو الموافقة لها قولًا وفعلًا ؛ والأوساط على الأوساط ، وينشأ من كلّ مرتبة من المعرفة ما يطابقها من مراتب العمل . « 1 » انتهى .
لا يذهب عليك أنّ غرضه رحمه الله من الفقرات في قوله : « من اجتماع ما للقلب - إلى قوله - :
وما للقوى الشهوانيّة والغضبيّة مطلق الآثار ، كما هو عند الفلاسفة ومن تبعهم في أكثر أصولهم كالصوفيّة القدريّة ؛ فإنّ كلّ واحدٍ من تلك الآثار في تقدير حكمة اللَّه وشرعه قسمان : حسن وقبيح ، مأمور به ومنهيٌّ عنه ، ممدوح ومذموم ، بل يجري فيه الأحكام الخمسة .
همه خشمى نه عيب ونقصان است * خشم روز جهاد ايمان است
وقال الفاضل الأسترآبادي رحمه الله :
« لا يقبل اللَّه عملًا إلّابمعرفة » سيجيء أنّ للإيمان معنيين : أحدهما موهبيّ لم يكلّف اللَّه العباد بتحصيله ، وهو المعرفة باللَّه وبرسوله . والآخر من أفعالنا الاختياريّة ، وهو الانقياد القلبي واللِّساني والجوارح على وفق المعرفة .
ومعنى الإيمان بعضه من بعض : أنّ بعضه ناش من بعض ، أي الانتفاع بكلّ جزء من أجزائه الثلاثة يتوقّف على تحقّق الجزئين الآخرين . « 2 »
وقال بعض المعاصرين في بيان هذا الحديث في آخر كلامه :
فمن لا معرفة له باللَّه واليوم الآخر فكيف يعبده ؟ ! ومَن لا عبادة له ولا رياضة شرعيّة
هامش
( 1 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 139 - 141 .
( 2 ) . الحاشية على أصول الكافي ، ص 94 .