لمن مضى بسيرة العلماء ، واستنّ بسنّتهم ، والنجاة من عقوبة الدُّنيا لمن لم يكن بهذه المثابة ؛ فإنّ وجود العالم سبب لبقاء نظام الخلق ، ولولاه لساخت الأرض بأهلها .
وقوله : ( وبشّر آدم بنوح صلّى اللَّه عليهما ) .
قال الجوهري : « بَشَره يَبْشُرُهُ ، من البُشرى . وكذا أبشر وبشّر . والاسم : البشارة . بَشَرَ به يَبشَرُ استبشر » « 1 » ؛ يعني أنّه عليه السلام أخبر ابنه هبة اللَّه ببعثة نوح عليه السلام وظهوره .
وقيل : اسم نوح بالسريانيّة : « يشكر » . وقيل : « ساكن » . وقيل : « ساكب » أو « سكبا » ، وسمّاه العرب نوحاً ، وآدماً ثانياً ، ولقّبوه بشيخ الأنبياء ونجيّ اللَّه .
وذكر بعض العامّة لتسميته عليه السلام بنوح ثلاثة أوجه أحدها : أنّه مرَّ بكلبٍ أجرب ، فقال : إخسأ يا قبيح ، فتكلّم الكلب ، وقال : اخلق وأوجِد ما هو أحسن منّي إن قدرتَ . أو قال : تعيب النقّاش ، دون النقش . أو قال : احفظ لسانك ، إنّما أجريت أنت اسم آدمَ ، ووصف النبوّة على نفسك ، فاضطرب نوح ، وبكى سنين كثيرة ، فسمّي بنوح ؛ لكثرة اشتغاله بالنوحة . وإنّما سمّوه آدم الثاني ؛ لأنّ سلسلة أنساب بني آدم تنتهي إليه بعد الطوفان . « 2 » قال الجوهري : « الطوفان : المطر الغالب يغشي كلّ شيء . قال الأخفش : واحدها في القياس : طوفانة » . « 3 »
وقوله : ( وكان بين آدم وبين نوح - صلّى اللَّه عليهما - عشرة آباء أنبياء وأوصياء كلّهم ) ؛ يعني بعضهم نبيّ ، وبعضهم وصيّ ، لم يخرج النبوّة والوصاية من بينهم .
واعلم أنّ جماعة من أرباب السِّير ذكروا بين آدم ونوح ثمانية آباء ؛ اثنان منهم من الأنبياء ، والباقي من الأوصياء هكذا : نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس عليه السلام بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث بن آدم عليه السلام .
والأشهر في كتب النسّابة : نوح بن مشخد بن لمك ، إلى آخره ، فيكون بينهما تسعة من الآباء . « 4 »
هامش
( 1 ) . انظر : الصحاح ، ج 2 ، ص 590 ( بشر ) .
( 2 ) . انظر : شرح المازندراني ، ج 12 ، ص 54 .
( 3 ) . الصحاح ، ج 4 ، ص 1397 ( طفن ) مع التلخيص .
( 4 ) . راجع للمزيد : المناقب لابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص 135 ؛ العمدة لابن البطريق ، ص 24 ، عمدة الطالب لابن عنبة ، ص 30 .