ثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً ، فَأَمَرَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام ، فَرَفَعَ خَمْساً وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً ، وَالسُّنَّةُ الْيَوْمَ فِينَا خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ ، وَقَدْ كَانَ يُكَبَّرُ عَلى أَهْلِ بَدْرٍ تِسْعاً وَسَبْعاً .
ثُمَّ إِنَّ هِبَةَ اللَّهِ لَمَّا دَفَنَ أَبَاهُ أَتَاهُ قَابِيلُ ، فَقَالَ : يَا هِبَةَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَبِي آدَمَ قَدْ خَصَّكَ مِنَ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ أُخَصَّ بِهِ أَنَا ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي دَعَا بِهِ أَخُوكَ هَابِيلُ ، فَتُقُبِّلَ قُرْبَانُهُ ، وَإِنَّمَا قَتَلْتُهُ لِكَيْلَا يَكُونَ لَهُ عَقِبٌ فَيَفْتَخِرُونَ عَلى عَقِبِي ، فَيَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاءُ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبَانُهُ ، وَأَنْتُمْ أَبْنَاءُ الَّذِي تُرِكَ قُرْبَانُهُ ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أَظْهَرْتَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي اخْتَصَّكَ بِهِ أَبُوكَ شَيْئاً ، قَتَلْتُكَ كَمَا قَتَلْتُ أَخَاكَ هَابِيلَ .
فَلَبِثَ هِبَةُ اللَّهِ وَالْعَقِبُ مِنْهُ مُسْتَخْفِينَ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالاسْمِ الْأَكْبَرِ وَمِيرَاثِ النُّبُوَّةِ وَآثَارِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ ، حَتّى بَعَثَ اللَّهُ نُوحاً عليه السلام ، وَظَهَرَتْ وَصِيَّةُ هِبَةِ اللَّهِ حِينَ نَظَرُوا فِي وَصِيَّةِ آدَمَ عليه السلام ، فَوَجَدُوا نُوحاً عليه السلام نَبِيّاً قَدْ بَشَّرَ بِهِ آدَمُ عليه السلام ، فَآمَنُوا بِهِ ، وَاتَّبَعُوهُ ، وَصَدَّقُوهُ .
وَقَدْ كَانَ آدَمُ عليه السلام وَصّى هِبَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَاهَدَ هذِهِ الْوَصِيَّةَ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ ، فَيَكُونَ يَوْمَ عِيدِهِمْ ، فَيَتَعَاهَدُونَ نُوحاً وَزَمَانَهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ ، وَكَذلِكَ جَاءَ فِي وَصِيَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله ، وَإِنَّمَا عَرَفُوا نُوحاً بِالْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ »
« 1 » إِلى آخِرِ الْآيَةِ .
وَكَانَ مَنْ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَخْفِينَ ، وَلِذلِكَ خَفِيَ ذِكْرُهُمْ فِي الْقُرْآنِ ، فَلَمْ يُسَمَّوْا كَمَا سُمِّيَ مَنِ اسْتَعْلَنَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
« وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ »
« 2 » ؛ يَعْنِي لَمْ أُسَمِّ الْمُسْتَخْفِينَ ، كَمَا سَمَّيْتُ الْمُسْتَعْلِنِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام ، فَمَكَثَ نُوحٌ عليه السلام فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً ، لَمْ يُشَارِكْهُ فِي نُبُوَّتِهِ أَحَدٌ ، وَلكِنَّهُ قَدِمَ عَلى قَوْمٍ مُكَذِّبِينَ لِلْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ عليه السلام ، وَذلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ :
« كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ »
« 3 » ؛ يَعْنِي مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ عليه السلام ، إِلى أَنِ انْتَهى إِلى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
« وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ »
« 4 »
.
ثُمَّ إِنَّ نُوحاً عليه السلام لَمَّا انْقَضَتْ نُبُوَّتُهُ ، وَاسْتُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ ، أَوْحَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَيْهِ : أَنْ يَا نُوحُ ، قَدْ
هامش
( 1 ) . هود ( 11 ) : 25 ؛ المؤمنون ( 23 ) : 23 ؛ العنكبوت ( 29 ) : 14 .
( 2 ) . النساء ( 4 ) : 164 .
( 3 ) . الشعراء ( 26 ) : 105 .
( 4 ) . الشعراء ( 26 ) : 122 .