وقال محيي السنّة : « ليس كلّ ما يراه الإنسان صحيحاً ويجوز تعبيره ، بل الصحيح ما كان من اللَّه يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة امّ الكتاب ، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها ، وهي على أنواع : قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان ، أويُريه ما يحزنه ، وله مكائد يحزن بها بني آدم ، كما قال تعالى :
« إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا »
« 1 » ، ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل فلا يكون له تأويل . وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمرٍ أو حرفةٍ يرى نفسه في ذلك الأمر ، والعاشق يرى معشوقه ونحوه . وقد يكون من مزاج الطبيعة ، كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة والرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ، ومَن غلب عليه الصفراء يرى النار والشمع والسراج والأشياء الصُّفر والطيران في الهواء ونحوه ، ومَن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحش والأهوال والأموات والقبور والمواضع الخربة وكونه في مضيق لا منفذ له أو تحت ثقل ونحوه ، ومَن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والأنداء والثلج والوحل ، فلا تأويل لشيء منها .
وقال السيّد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر والدرر في جواب سائل سأله : ما القول في المنامات ؛ أصحيحة هي أم باطلة ؟ ومِن فِعل مَن هي ؟ وما وجه صحّتها في الأكثر ؟
وما وجه الإنزال عند المباشرة في المنام ؟ وإن كان فيها صحيح وباطل ، فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر ؟
الجواب : اعلم أنّ النائم غير كامل العقل ؛ لأنّ النوم ضربٌ من السهو ، والسهو ينفي العلوم ، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة ؛ لنقصان عقله وفقد علومه . وجميع المنامات إنّما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه ، ولا يجوز أن يكون من فعل غيره فيه ؛ لأنّ من عداه من المحدّثين - سواء كانوا بَشَراً ، أو ملائكة ، أو جنّاً - أجسام ، والجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقاداً بل ابتداءً ، ولا شيئاً من الأجناس على هذا الوجه ، وإنّما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء .
وإنّما قلنا : إنّه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولّداً ؛ لأنّ الذي يُعدِّي الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنّما هو الاعتمادات ، وليس في جنس
هامش
( 1 ) . المجادلة ( 58 ) : 10 .