الثانية فهو من الإفاضات الرحمانيّة بتوسّط الملائكة الروحانيّة .
ثمّ قال :
ولمّا كان أمر الرؤيا وصدقها وكذبها ممّا اختلفت فيه أقاويل الناس ، فلا بأس أن نذكر هاهنا بعض أقوال المتكلِّمين والحكماء ، ثمّ نبيّن ما ظهر لنا فيه من أخبار أئمّة الأنام عليهم السلام .
فأمّا الحكماء فقد بنوا ذلك على ما أسّسوه من انطباع صور الجزئيّات في النفوس المنطبعة الفلكيّة ، وصور الكلّيّات في العقول المجرّدة ، وقالوا : إنّ النفس في حالة النوم قد تتّصل بتلك المبادئ العالية ، فتحصل لها بعض العلوم الحقّة الواقعيّة ، فهذه هي الرؤيا الصادقة .
وقال بعضهم : إنّ للنفوس الإنسانيّة اطّلاعاً على الغيب في حال المنام ، وليس لأحد من الناس إلّاوقد جرّب ذلك من نفسه تجارباً أوجبته التصديق ، وليس ذلك بسبب الفكر ؛ فإنّ الفكر [ في ] حال اليقظة التي هو فيها أمكنُ يَقْصُر عن تحصيل مثل ذلك ، فكيف في حال النوم ؟ ! بل بسبب أنّ النفوس الإنسانيّة لها مناسبة الجنسيّة إلى المبادئ العالية المنتقشة بجميع ما كان وما سيكون وما هو كائن في الحال ، ولها أن تتّصل بها اتّصالًا روحانيّاً ، وأن تنتقش بما هو مرتسم فيها ؛ لأنّ اشتغال النفس ببعض أفاعيلها يمنعُها عن الاشتغال بغير تلك الأفاعيل ، وليس لنا سبيل إلى إزالة عوائق النفس بالكلّيّة عن الانتقاش بما في المبادئ العالية ؛ لأنّ أحد العائقَين هو اشتغال النفس بالبدن ، ولا يمكن لنا إزالة هذا العائق بالكلّيّة ما دام البدن صالحاً لتدبيرها ، إلّاأنّه قد يسكن أحد الشاغلين في حالة النوم ؛ فإنّ الروح ينتشر إلى ظاهر البدن بواسطة الشرائين ، وينصبّ إلى الحواسّ الظاهرة حالة الانتشار ، ويحصل الإدراك بها ، وهذه الحالة هي اليقظة ، فتشتغل النفس بتلك الإدراكات .
فإذا انحبس الروح إلى الباطن ، تعطّلت هذه الحواسّ ، وهذه الحالة هي النوم ، وبتعطّلها يخفّ أحد شواغل النفس عن الاتّصال بالمبادئ العالية والانتقاش ببعض ما فيها ، فيتّصل حينئذٍ بتلك المبادئ اتّصالًا روحانيّاً ، ويرتسم في النفس بعض ما انتقش في تلك المبادئ ممّا استعدّت هي لأن تكون منتقشة به ، كالمرايا إذا حُوذي بعضها ببعض ما يتّسع له ممّا انتقش في البعض الآخر ، والقوّة المتخيّلة جُبّلت محاكية لما يرد عليها ، فتحاكى تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئيّة مناسبة لها ، ثمّ ترتسم الصور الجزئيّة في الحسّ المشترك ، فتصير مشاهدة ، وهذه هي الرؤيا الصادقة .
البضاعة المزجاة — صفحة 102
مساهمون: محمد حسين بن قارياغدي
ص١٠٢