وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه ، ثمّ يصحّ ذلك حتّى يراه في يقظته على حدّ ما يراه في منامه ، وفي كلّ منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحّته أنّ اللَّه تعالى يفعل كلاماً في سمعه لضرب من المصلحة ، بأنّ شيئاً يكون أو قد كان على بعض الصِّفات ، فيعتقد النائم أنّ الذي يسمعه هو ما يراه .
فإذا صحّ تأويله على ما يراه ، فما ذكرناه أن لم يكن ممّا يجوز أن تتّفق فيه الصحّة اتّفاقاً ؛ فإنّ في المنامات ما يجوز أن يصحّ بالاتّفاق ، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتّفاق ، فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجهاً فيه » .
ثمّ إنّ السيّد رحمه الله أورد على نفسه اعتراضاً ، وأجاب عنه ، ثمّ قال : « فإن قيل : فما قولكم في منامات الأنبياء عليهم السلام ؟ وما السبب في صحّتها حتّى عُدَّ ما يرونه في المنام مضاهياً لما يسمعونه من الوحي ؟
قلنا : الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحّتها ، ولا هي ممّا توجب العلم ، وقد يمكن أن يكون اللَّه تعالى أعلَمَ النبيّ بوحي يسمعه من المَلَك على الوجه الموجب للعلم : أنّي سأُريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه ، فيقطع على صحّته من هذا الوجه ، لا بمجرّد رؤيته له في المنام .
وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه ، ولولا ما أشرنا إليه ، كيف كان يقطع إبراهيم عليه السلام بأنّه متعبّد بذبح ولده ! ؟
فإن قيل : فما تأويل ما يروى عنه عليه السلام من قوله : « مَن رآني فقد رآني ؛ فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي » « 1 » ، وقد علمنا أنّ المحقّ والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبيّ صلى الله عليه وآله في النوم ، ويخبر كلّ واحدٍ منهم بضدّ ما يخبر به الآخر ، فكيف يكون رائياً له في الحقيقة مع هذا ؟
قلنا : هذا خبرٌ واحد ضعيف من أضعف أخبارنا الآحاد ، ولا معوّل على مثل ذلك ، على أنّه يمكن مع تسليم صحّته أن يكون المراد به : من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة ؛ لأنّ الشيطان لا يتمثّل بي لليقظان .
فقد قيل : إنّ الشيطان ربّما تمثّلت بصورة البشر ، وهذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ
هامش
( 1 ) . راجع : روضة الواعظين ، ص 244 ؛ كتاب سليم بن قيس ، ص 350 ؛ الفرج بعد الشدّة ، ج 1 ، ص 179 ؛ الصراطالمستقيم ، ص 155 .